القناطر.. حكاية بيروت القديمة
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : سارة سلمان
Jun 16 26|13:11PM :نشر بتاريخ
بيوت بيروت، كلمة لطالما ترددت على مسامعنا منذ الصغر، لم تكن هذه البيوت مجرد أماكن للسكن، بل كانت تعكس أسلوب حياة العائلات البيروتية، وتعتبر من أبرز معالم التراث العمراني اللبناني. تميّزت هذه البيوت بطراز معماري فريد يجمع بين التأثيرات العثمانية والمتوسطية والأوروبية، فيما تميّزت بيروت بأحيائها القديمة المليئة بالبيوت التراثية ذات القناطر الثلاث، والأسقف المرتفعة، والشرفات الواسعة المزينة بالنباتات والزهور. واشتهرت هذه البيوت بتصميم يجمع بين الجمال والوظيفة، إذ تسمح القناطر بدخول الضوء والهواء إلى داخل المنزل، كما تضفي طابعًا معماريًا خاصًا ميّز العاصمة عن غيرها من المدن. وتُعتبر القناطر البيروتية من أبرز معالم العمارة التراثية في العاصمة اللبنانية، فهي ليست مجرد عنصر جمالي في المباني القديمة، بل جزء من هوية المدينة وذاكرتها. وقد ارتبطت هذه القناطر بالبيوت التقليدية التي عكست نمط حياة السكان وعلاقتهم بالمكان عبر عقود طويلة. وكانت لكل قنطرة شكل مختلف عن الأخرى ولكل شكل وظيفته الجمالية والإنشائية والاجتماعية.
إلّا أنّ السؤال هنا، هل فقدت بيروت جزءًا من روحها مع إختفاء البيوت القديمة؟
في البداية، سنتحدث عن أشكال القناطر في العمارة البيروتية ووظيفة كلّ شكل، أولاً، القنطرة نصف الدائرية وهي الأكثر شيوعًا في الأبنية التقليدية. (استُخدمت في بعض المساجد العثمانية والقديمة). والتي تأخذ شكل نصف دائرة كاملة، تميزت بالقوة والقدرة على تحمل الأوزان. وكانت تُبنى من الحجر وتُستخدم فوق الأبواب والنوافذ والممرات لتوزيع ثقل البناء على الجانبين بدلًا من الضغط مباشرة على الفتحة. لذلك جمعت بين الجمال والوظيفة الإنشائية. كما ساعد شكلها على إدخال الضوء والهواء إلى المنازل القديمة. وفي بيروت، يمكن مشاهدة هذا النوع من القناطر في العديد من البيوت التراثية القديمة، خصوصًا في أحياء: زقاق البلاط، الأشرفية، الجميزة، مار مخايل ورأس بيروت. وتظهر القناطر النصف دائرية بشكل واضح في بعض البيوت التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، سواء في المداخل أو في الأروقة الداخلية والباحات. ثانياً، القنطرة المدببة وهي القنطرة التي يلتقي فيها جانبا القوس في الأعلى ليشكلا رأسًا مدببًا بدلًا من الشكل نصف الدائري. انتشرت في العمارة الإسلامية والعثمانية، ثم أصبحت جزءًا من بعض البيوت والقصور التراثية في لبنان. وتمتاز بقدرتها على توزيع الأحمال بشكل جيد، كما تمنح المبنى ارتفاعًا وإحساسًا بالفخامة، وفي بيروت، لا توجد منطقة واحدة مخصصة للقناطر المدببة، لكنها تظهر في عدد من المباني التراثية والأحياء القديمة، وأبرزها: متحف سرسق، حيث تظهر الأقواس المدببة في عدد من النوافذ والتفاصيل المعمارية المتأثرة بالطراز القوطي الفينيسي. والسراي الكبير، الذي يضم عددًا كبيرًا من الأقواس المدببة ضمن واجهاته وأروقته. ثالثاً، القنطرة الثلاثية وهي أشهر عنصر معماري في البيت البيروتي التقليدي، لدرجة أنها أصبحت رمزًا للهوية المعمارية لمدينة بيروت. تتكوّن من ثلاث فتحات مقوسة متجاورة، يكون القوس الأوسط غالبًا أكبر قليلًا من القوسين الجانبيين، وترتكز على أعمدة رخامية رفيعة. أمّا وظيفتها فتتمثّل بإدخال أكبر كمية ممكنة من الضوء الطبيعي إلى الصالون المركزي، تأمين تهوية متقاطعة تساعد على تبريد المنزل صيفًا، ربط الداخل بالخارج عبر الشرفة المطلة على الشارع، وإعطاء المنزل مظهرًا أنيقًا يعكس مكانة العائلة الاجتماعية. وتنتشر القناطر الثلاثية في الأحياء التي حافظت على قسم من تراثها العمراني، وأبرزها: الجميزة، خصوصًا في شارع غورو والمناطق المحيطة به. الأشرفية، حيث لا تزال العديد من البيوت التراثية تحتفظ بهذه الواجهات. مار مخايل، زقاق البلاط والرميل، التي تضم نماذج من أقدم البيوت ذات القناطر الثلاثية منذ ستينيات القرن التاسع عشر. كما رأى المؤرخون المعماريون أن القناطر الثلاثية ظهرت بقوة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع إزدهار بيروت كميناء تجاري، وأصبحت العنصر الأبرز في ما يُعرف بـ"البيت البيروتي" أو "البيت ذو القاعة الوسطى". وكانت القاعة المركزية خلف القناطر مكان استقبال الضيوف واجتماع أفراد العائلة، لذلك ارتبطت هذه القناطر بالحياة الاجتماعية البيروتية القديمة. رابعاً، القنطرة المسطحة أو المنخفضة هي نوع من القناطر يكون تقوسه خفيفًا جدًا مقارنة بالقنطرة النصف دائرية أو المدببة، فتبدو وكأنها مستقيمة تقريبًا مع انحناء بسيط في أعلاها. أما من ناحية وظيفتها فهي تتمثل بتوزيع وزن الجدار أو السقف فوق الأبواب والنوافذ العريضة، السماح بفتح مساحات أوسع من دون الحاجة إلى قوس مرتفع، إعطاء المبنى مظهرًا أكثر بساطة وانتظامًا، وتوفير ارتفاع أكبر داخل الغرفة مقارنة بالقناطر المرتفعة. وتنتشر القناطر المسطحة في بعض البيوت التراثية المتأخرة التي بُنيت أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين وبعض المباني في الأحياء مثل الجميزة والأشرفية وزقاق البلاط، حيث اختلطت العمارة التقليدية بالتأثيرات الأوروبية وبعض الأبنية التجارية والبيوت التي خضعت لتعديلات أو ترميمات مع مرور الزمن.
ومن المهم الإشارة إلى أن القناطر استخدمت في بناء المساجد الإسلاميّة والكنائس المسيحية، ففي بيروت نلاحظ جامع محمد الأمين وجامع المجيدية، وتظهر القناطر بوضوح: في المداخل الرئيسية للمسجد، في الأروقة المحيطة بالصحن، حول النوافذ الزجاجية ذات الألوان العديدة والفتحات الداخلية وفي العناصر الزخرفية التي تربط الأعمدة بالأسقف. أمّا بالنسبة للكنائس المسيحية، نلاحظ كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس وفيها قناطر نصف دائرية جميلة وواضحة. وكاتدرائية مار جرجس المارونية وفيها أيضاً أقواس وقناطر داخلية مميزة. وكاتدرائية مار إلياس للروم الملكيين الكاثوليك وتضم قناطر وأروقة ذات طابع شرقي.
في المقابل، تعيش بيروت صراعًا بين التطور والحفاظ على الهوية، صراعاً يشبه غريزة البقاء، إذ إنّ بيوت بيروت القديمة تحارب العناصر المناخية والبشر حتى تصمد وتذكرنا أن البيوت البيروتية لا تموت مهما حصل ومهما تقادم الزمن. فمع اختفاء العديد من المنازل القديمة ذات القناطر، يطرح كثيرون سؤالًا حول ما إذا كانت المدينة قد فقدت جزءًا من روحها وذاكرتها، أم أن هذا التغيير يمثل مرحلة طبيعية في مسار تطورها العمراني والاجتماعي. إختفاء القناطر من العمارة الحديثة يعود لعدّة أسباب منها: التوسّع العمراني السريع، فمع ازدياد الحاجة إلى المباني السكنية والتجارية، اتجهت الشركات إلى بناء أبراج مرتفعة تستوعب عددًا أكبر من السكان، وحتى الجشع الإقتصادي من أصحاب النفوذ حيث يلجأ أصحاب هذه البيوت إلى هدمها بطريقة غير مباشرة مثل الحفر من أسفلها او بجانبها حتى تتهاوى هذه البيوت وتسقط من تلقاء نفسها او بفعل فاعل، تغير أساليب البناء حيث أصبحت مواد البناء الحديثة مثل الخرسانة المسلّحة والحديد تسمح بإنشاء فتحات واسعة من دون الحاجة إلى القناطر الحجرية التي كانت تُستخدم قديمًا لتوزيع الأحمال. ارتفاع كلفة البناء والترميم حيث يتطلب تنفيذ القناطر التقليدية مهارة حرفية خاصة ومواد بناء قد تكون مكلفة، بينما تُعد التصاميم الحديثة أبسط وأقل تكلفة من حيث التنفيذ والصيانة. تغير الذوق المعماري حيث أصبحت العمارة الحديثة تميل إلى الخطوط المستقيمة والأشكال البسيطة والزجاج والواجهات العصرية، ما قلل من استخدام العناصر التقليدية مثل القناطر والزخارف التراثية، في حين إتجه معظم السكان في بيروت إلى بناء الأبراج العالية تيمناً بالغرب ومواكبة لكلّ ما هو حديث دون الإدراك فعلياً أنه بهذه الطريقة نخسر قيمة تراثية وحقبات من تاريخ بيروت. ضعف قوانين حماية التراث إذ إنّه في بعض الفترات، لم تكن هناك إجراءات كافية لحماية البيوت التراثية، ما أدى إلى هدم عدد كبير منها واستبدالها بمشاريع استثمارية حديثة، علاوة عن غياب الدولة في كثير من الأحيان عن تنفيذ قوانين حماية هذه البيوت ذات الطابع التراثي والبطء في إتخاذ إجراءات لمعاقبة المخالفين، وحتى ترميم ما تبقى من هذه البيوت بحجة غياب التمويل الكافي.
والجدير بالذكر، أن هناك العديد من الجمعيات تعمل على الحفاظ على هذه البيوت، ومنها "جمعية تراث بيروت" التي تركّز على فكرة أساسية هي إحياء ذاكرة بيروت وحمايتها من النسيان، وربط الجيل الجديد بهويته الأصلية. وتهدف الجمعية إلى الحفاظ على التراث المعماري في بيروت (مثل البيوت القديمة، القناطر، والأحياء التاريخية) وتوثيق الذاكرة البيروتية ونقلها للأجيال الجديدة ونشر الوعي حول أهمية الهوية الثقافية للمدينة وحماية ما تبقّى من المعالم قبل اندثارها بسبب الإهمال أو العمران الحديث.
في نهاية المطاف، إنّ الحفاظ على القناطر البيروتية يمثل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، بهدف ضمان بقاء هذا الإرث المعماري شاهدًا على تاريخ بيروت وحضارتها للأجيال القادمة. إذ إنّ بيروت حكاية رويت في كتب الرحالة القدامى مثل ألفونس دو لامارتين (Alphonse de Lamartine شاعر ورحّالة فرنسي زار بيروت سنة 1832 وكتب في كتابه "Voyage en Orient رحلة إلى الشرق" عن بيروت وساحلها وجبل لبنان ووصفها كمدينة ساحلية جميلة وبوابة إلى بلاد الشام ) وإدوارد روبنسون (Edward Robinson مستشرق أمريكي زار لبنان في القرن 19 وكتب عن بيروت وجبل لبنان في إطار دراساته التوراتية والجغرافية للمنطقة) وفي أغاني وأشعار كلّ العظماء منهم صباح التي غنّت "ألو بيروت" و"شفته بالقناطر" وفيروز أيضاً غنّت عن بيروت في أشهر أغنية "لِبيروت". لكلّ بيت وقنطرة قصّة تحكي عن الذين عاشوا فيها وشاركتهم أفراحهم وأتراحهم. لا يمكن أن تُختصر بيروت بشوارعها وأبنيتها فقط بل هي هوية وملامح وتاريخ شاهد على زمن جميل كانت فيه البيوت البيروتية أكثر من مجرد جدران وحجارة، بل دفء وأصالة. وكما قال المثل "الأمم التي تنسى تاريخها تفقد جزءًا من هويتها."
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا