افتتاحيات الصحف الصادرة في بيروت صباح اليوم الإثنين 15 يونيو 2026

الرئيسية افتتاحيات الصحف / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jun 15 26|06:27AM :نشر بتاريخ

"النهار":

ما شهدته الجبهة الميدانية في لبنان أمس وقبله في الساعات الـ48 التي سبقت الموعد "الافتراضي" لإعلان توقيع مذكرة الاتفاق الأميركي الإيراني "الكترونياً" متضمنة وقف نار يشمل لبنان، اتّخذ دلالات كثيفة و"ثقيلة" لجهة المزيج المتفجر لصراع يتصل بلبنان، بين محاولات الإبقاء على ربط واقعه بالمسار الإيراني ومحاولات النفاد بوقف النار المتوقّع في التفاهم الوليد، ولكن لتحقيق الفصل الكامل للمسار اللبناني عن الاستباحة الإقليمية المفتوحة.

ومن دون شك، بدت إسرائيل المحور الناري المحرّك لصراعات "الساعات الأخيرة"، إذ انبرت ميدانياً إلى قضم المزيد من المناطق الجنوبية، فاخترقت خطوطاً بعيدة عن "الخط الأصفر" وبلغ تقدّمها تلة علي الطاهر، ولو لم تحتلها بالكامل بعد وإنما صارت النبطية تحت خط السيطرة النارية المباشرة. كما عمدت إلى تسجيل خطوة تصعيدية تحدّت فيها إيران إلى جانب ردّها على مسيّرات "حزب الله" التي اخترقت شمال إسرائيل، فكانت الغارة على الضاحية الجنوبية بعد ظهر أمس الضربة الاستباقية للإبقاء على معادلة الضاحية – شمال إسرائيل استهدافاً وليس تحييداً، وانتزاع "حق الرد" الإسرائيلي بضرب العمق اللبناني من أميركا بما وضع الرئيس الأميركي كما إيران، أمام امتحان إسرائيلي حسّاس في اللحظة الحاسمة قبيل إعلان "احتفالية" توقيع الاتفاق. وقد جاء موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب غارة الضاحية "متوازناً"، إذ اعتبر أن "الهجوم على بيروت ما كان ينبغي أن يحدث ونحن قريبون من التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران"، غير أنه وإذ أكد "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد التهديدات"، اعتبر "أن هجوم "حزب الله" كان بلا قيمة"، وقال "إن الغارة لا ينبغي أن تعرقل المسار السياسي الجاري"، ودعا جميع الأطراف إلى "خفض التصعيد" مطالباً "بعدم تنفيذ هجمات إسرائيلية إضافية داخل لبنان". كما دعا في المقابل إلى "وقف أي هجمات من جانب "حزب الله" ضد إسرائيل". وختم بالقول إن المرحلة الحالية قد تمثّل "بداية سلام طويل وجميل"، داعياً إلى عدم إضاعة هذه الفرصة.

أما لبنان الرسمي والسياسي، فبدا ملتزماً جانب المراقبة وانتظار التطورات وولادة التفاهم الأميركي الإيراني، والاطّلاع على نص الاتفاق لتبيّن حقائق كثيرة وتساؤلات جارفة اجتاحت الأوساط المراقبة حيال مدى تأثّر لبنان ومساره التفاوضي بهذا التطور، علماً أن الموقف الرسمي ظل على منسوب عالٍ وثابت من التصميم على الذهاب في فصل مسار لبنان التفاوضي إلى النهايات، وسط معالم مشجعة للغاية، عربياً ودولياً، لدعمه في هذا الخيار ووضع حد للعبث الإيراني المتمادي في محاولات ضرب استقلالية المسار اللبناني، بدليل التراشق الإسرائيلي الإيراني، ميدانياً على أرض الجنوب والضاحية، وإعلامياً عبر تبادل التهديدات بينهما في الساعات الأخيرة.

وفيما تحدّثت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن مقتل قائد وحدة الارتباط في "حزب الله" في الغارة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، عادت هيئة البث الاسرائيلية لتنقل عن مسؤول إسرائيلي أنه جرى استهداف مقر قيادي للحزب ولم تكن عملية اغتيال. وأفادت المعلومات في بيروت أن علي الحاج وزوجته سلام شقير وأخته سلمى الحاج قتلوا في الغارة إلى جانب 15 جريحًا.

وجاء في بيان مشترك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه بناء على توجيهاتهما: "شنّ الجيش الإسرائيلي ضربات في منطقة الضاحية الجنوبية في بيروت ضد أهداف إرهابية تابعة لمنظمة "حزب الله"، وذلك ردّاً على إطلاق الحزب النار باتجاه الأراضي الإسرائيلية".

من جهتها، نشرت المتحدّثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية عبر حسابها على منصّة "أكس"، فيديو لما قالت إنّه لحظة استهداف الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وقالت إن "الغارة جاءت بعد أن أطلقت منظمة "حزب الله" في وقت سابق اليوم (الأحد) أهدافًا جوية باتجاه أراضي دولة إسرائيل.

كما أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، في حديث مع قادة الفرق والألوية في قيادة المنطقة الشمالية: "كل إنجاز عملياتي إضافي نحقّقه سيؤدي إلى استمرار استنزاف وتفكك الجبهة الجنوبية لـ"حزب الله"، وإلى تحسين الترتيبات الأمنية التي ستتحدّد في إطار المفاوضات بوساطة أميركية بين المستوى السياسي والحكومة اللبنانية".

أما ردود الفعل الإيرانية، فجاءت أولاً عبر المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، الذي قال: "يجب ألا نرتكب خطأً في حساباتنا؛ حتى لو أردنا اتفاقاً أو تفاهماً فإن السبيل إلى ذلك هو تأديب الكيان الإسرائيلي. إذا لم يُكبح جماح الكيان الإسرائيلي المتوحّش فإن أي اتفاق سيلحق بنا الضرر بعد توقيعه مباشرة".

ومن جهته، قال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد ‌باقر قاليباف "إن الهجوم الإسرائيلي على الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت يظهر أن الولايات المتحدة، إما تفتقر إلى الإرادة للوفاء بالتزاماتها أو إلى القدرة ‌على ⁠ذلك". وأضاف في منشور على منصة إكس، أن "الاستمرار ⁠في المسار الحالي سيكون مستحيلاً إذا ⁠لم يتم الوفاء بالالتزامات". وهدّد مساعد قائد مقر خاتم الأنبياء الإيراني بأن "الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت لن تبقى من دون رد". وترافق ذلك مع اعلان وزارة الخارجية الإيرانية بأن ايران "لن توقع الاتفاق مع أميركا اليوم (أمس)".

ولاحقاً اصدر الحرس الثوري بياناً هدّد فيه بقصف إسرائيل قبل فجر الاثنين، وقال: "نعلن للعدو وداعميه أن زمن الاستفراد قد ولّى، وأن وقت الحساب قد دنا. فليترقب العدو، وليجهز ملاجئه، فإنه على موعد مع ردنا المزلزل الذي سيهز أركان كيانه الغاصب، وسيكون درساً لن ينساه، وسيبدأ ذلك قبل بزوغ فجر الغد (اليوم) ".

والى غارة الضاحية، وجّه الجيش الإسرائيلي أمس إنذارات إلى 29 بلدة في محافظة النبطية وشهدت البلدات المهددة حركة نزوح كثيفة باتجاه صيدا وبيروت.

كما شنّ الجيش الإسرائيليّ عشرات الغارات على عشرات البلدات.

إلى ذلك، أعلن سفير إسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية يحيئيل لايتر أن الجيش الاسرائيلي اغتال القيادي في "حزب الله" علي موسى دقدوق مسؤول "ملف الجولان" .

وأشار إعلام إسرائيلي إلى أن دقدوق القيادي في "حزب الله" أصيب بغارة السبت الماضي وتوفي متأثرا بجراحه.

وكانت حسابات ومواقع مقربة من "حزب الله" قد تداولت خلال الساعات الماضية أنباء عن وفاة القيادي دقدوق، أحد أبرز كوادر الحزب الذين عملوا على أكثر من ساحة إقليمية خلال العقدين الأخيرين، من دون صدور إعلان رسمي يوضح ملابسات الوفاة أو مكانها وتوقيتها.

 

 

 "الأخبار":

لم يتوقّف العدو الإسرائيلي عن محاولة تخريب أيّ فرصة للتوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين إيران والولايات المتحدة، تشمل لبنان. ولا تبدو المحاولات الإسرائيلية لتعطيل المفاوضات مستغرَبة؛ إذ إن التفاهم المنتظر يأتي على حساب إسرائيل، التي ستدفع بموجبه ثمن فشلها، والولايات المتحدة، في الحرب على إيران. وفي محاولة جديدة لعرقلة مسار الاتفاق، شنّت طائرات الاحتلال، أمس، غارة جديدة استهدفت شقّة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أسفر عن سقوط 3 شهداء.

وعقب الهجوم الإسرائيلي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس، إن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ارتكب خطأً كبيراً، مضيفاً أن «بيبي لا يملك أيّ تقدير سليم على الإطلاق. لقد نقلتُ إليه هذه الرسالة، وأبلغتُه أنني مستاء جداً». ورأى ترامب أن الاتفاق العتيد سيكون «لمصلحة إسرائيل، لأنه سيمنع إيران من امتلاك سلاح نووي ويلزمها بالتخلّص من المواد النووية». كما أعلن أنه «في حال توقيع الاتفاق هذه الليلة (أمس)، سيَصدر الأمر فوراً برفع الحصار البحري عن إيران»، متابعاً أنه سيطلب من طهران عدم الردّ على الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت.

ورغم ما ورد في تصريحات ترامب، كشفت «القناة 13» أن نتنياهو أجرى، مساء أمس، محادثات مع عدد من المسؤولين الأميركيين الرفيعين، مضيفةً «أنه خلافاً لما يقوله ترامب مجدّداً للخارج، ويبدو معه وكأنّه يتنصّل من الهجوم (على الضاحية) علناً بعد وقت قصير جداً من خروجه إلى حيّز التنفيذ، فإن إسرائيل قد أبلغت الأمريكيين، والأمريكيون أعطوا أيضاً الضوء الأخضر، والتزموا بالمعادلة التي حدّدوها هم أنفسهم مع إسرائيل بأن إطلاق النار في اتّجاه بلدات الشمال يتيح أيضاً الهجوم في الضاحية».

وبمعزل عن حقيقة ما جرى أمس، أعلن جيش الاحتلال رفع حال التأهّب، وقال إنه يستعدّ لهجوم محتمل خلال ساعات من إيران. وأفاد، في بيان، بأن رئيس الأركان، إيال زامير، «يجري تقييمات متواصلة للوضع مع جميع القادة المعنيين». ونتيجة لهذه التقييمات، نُقلت جلسة مشاورات «الكابينت»، التي كان مقرّراً عقدها في مكتب نتنياهو، إلى مقرّ محصّن تحت الأرض، فيما شددت «قيادة الجبهة الداخلية» قيودها على التجمّعات، ورفعت الشرطة الإسرائيلية حال التأهب في كلّ أنحاء الكيان، كما أُلغيت العروض الفنية المقرّرة في وسطه.

وفي خضمّ الشدّ والجذب اللذَين أعقبا الهجوم على الضاحية، توجّه وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، إلى نتنياهو بالقول: «السيد رئيس الحكومة، كن قوياً وشجاعاً، ولا تخفْ ولا تيأس»، وذلك في محاولة لدعم موقف نتنياهو أمام ضغوط ترامب. وفي الاتجاه نفسه، رأى معلق «القناة 12»، ألموغ بوكير، أنه «إذا أطلقت إيران صواريخ في اتجاه إسرائيل، فإنها بذلك تكرّس معادلة مفادها أن إطلاق النار على بيروت سيؤدّي إلى إطلاق النار على إسرائيل». واعتبر أن «نتنياهو لا يستطيع الاكتفاء بالردّ على ردّ الفعل الإيراني تجاه حدث لا علاقة لإيران به مباشرة»، «وإلا فاليوم لبنان، وغداً غزة، وبعدها الضفة الغربية» كما قال. ودعا بوكير إلى أن تنفّذ إسرائيل «عملية مشتركة في إيران وبيروت في الوقت نفسه، حتى لو استمرّت أياماً»، معتبراً أن «المطلوب هو عمل قوي في المكان الذي يؤلم إيران أكثر من غيره، لا ردّ متناسب كالذي شوهد الأسبوع الماضي، والذي يبعث إلى الإيرانيين رسالة بأن إسرائيل ضعيفة ومتردّدة». وختم بأن «الإيرانيين نجحوا بالفعل في فرض معادلة، والوقت حان لقلبها».

من جهته، رأى المحلل السياسي، بن كاسبيت، في مقال نشره في صحيفة «معاريف»، أن «الهزيمة السياسية» التي تواجهها إسرائيل اليوم تفوق في أثرها ما حقّقته من إنجازات عسكرية في السنوات الأخيرة ضدّ «حماس» و«حزب الله» وإيران. ووصف كاسبيت التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية الجارية بأنها «وثيقة استسلام»، معتبراً أن «نتنياهو حوّل نفسه وإسرائيل إلى رهينة لدى ترامب، في مقابل حملة العفو عنه، ما أفقده القدرة على مهاجمة الإدارة الأميركية أو تشغيل أدوات الضغط التقليدية، وعلى رأسها أيباك». ورأى أن الطريق الصحيح كان يقتضي «تجنّب السياسات التي قادت إلى كارثة 7 أكتوبر، والتخلّي عن أوهام مثل النصر الكامل وإسقاط النظام في إيران، وخفض سقف التوقعات، خصوصاً أن الوقت والصبر يعملان لمصلحة طهران». وحذّر كاسبيت من أن إيران، رغم الضربات التي تلقّتها، «خرجت أكثر جرأة بعد نجاتها من هجوم أميركي مباشر كان يفترض أن يشكل لها رعباً وجودياً». كما اعتبر أن «حلقة النار» التي بنتها إيران حول إسرائيل تضرّرت بشدة، لكنها لم تُستأصل، إذ لا يزال «حزب الله» قائماً ويتعافى في لبنان، فيما تزداد «حماس» قوة. وختم بأن «الاقتراب من تدمير الأعداء من دون إنجاز ذلك فعلياً لا يترجم سياسياً»، محذراً من أن «إرث نتنياهو الحقيقي سيَظهر لاحقاً، عندما تجد إسرائيل نفسها أمام رئيس أميركي معادٍ، وتضطر إلى بدء المواجهة من الصفر».

وفي الاتجاه نفسه، اعتبر المحلل العسكري آفي أشكينازي، في مقال نشره في صحيفة «معاريف»، أن الاتفاق الوشيك بين الولايات المتحدة وإيران يمثّل «انهياراً سياسياً وفشلاً قاسياً للقيادة الإسرائيلية، التي عجزت عن التأثير في مضمونه». ورأى أشكينازي أن الحرب التي بدأت تحت عنوان «زئير الأسد» تنتهي اليوم بـ«لعنة القطّ»، بعدما اختتمت واشنطن وتل أبيب المواجهة باستعراض عسكري كبير، لكنه أفضى، برأيه، إلى «هزيمة مذلّة» جعلت إيران الرابح الأكبر والقوة الأبرز في الخليج والشرق الأوسط. وبحسب المعطيات التي أوردها أشكينازي، تتيح التفاهمات العتيدة لطهران الاحتفاظ ببرنامجها النووي واليورانيوم المخصب وترسانتها الباليستية، إضافة إلى نيل اعتراف دولي بدورها في مضيق هرمز، وحماية الساحة اللبنانية من تدخل إسرائيلي واسع.

 

 

"الجمهورية":

فيما كانت الأنظار مشدودة إلى طهران وواشنطن انتظاراً لتوقيع الاتفاق بينهما على إنهاء الحرب، وعلى وقع استمرارها في اعتداءاتها ومحاولاتها التوسعية في الجنوب، قصفت إسرائيل أمس محلة الغبيري في الضاحية الجنوبية، بذريعة انّ «حزب الله» أطلق مسيّرتين في اتجاه منطقتها الشمالية، ما أثار تساؤلات حول مصير الاتفاق الأميركي ـ الإيراني الموعود، خصوصاً مع إعلان طهران عزمها الردّ على هذا القصف الإسرائيلي. فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنّ هذا الهجوم «ما كان ينبغي له أن يحدث، لا سيما في يوم خاص نكون فيه قريبين جداً من التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران».

قالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، انّ خطورة هذا التطور تكمن في كونه يعيد تفعيل «معادلة المستوطنات مقابل الضاحية» في توقيت استثنائي. ويتطابق مع مناخات من التوجس تحوط بالمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، إذ يمكن هنا رصد مستويين من القلق تجاه التفاهم المنتظر:

الأول هو القلق الإسرائيلي، إذ تتخوف تل أبيب من أن يؤدي أي اتفاق أميركي ـ إيراني إلى فرض قيود على عملياتها العسكرية «العميقة» في لبنان، أو إلزامها بوقف التقدّم البري، قبل أن تحصّل كامل شروطها الأمنية على الأرض.

والثاني، هو القلق الإيراني الداخلي، حيث تعيش بعض الأوساط حال ترقب حذر، ممزوجاً بخشية من طبيعة «التنازلات» السياسية أو الإقليمية التي قد تُطلب من إيران، لضمان تمرير هذا الاتفاق وإنجاحه.

وبناءً على ذلك، ترى المصادر الديبلوماسية، أنّ عودة «معادلة المستوطنات ـ الضاحية» قد تتحول عامل «كبح» سياسي وميداني، يساهم في تجميد مسار التفاهم الأميركي ـ الإيراني المحتمل. فمن الناحية السياسية، يؤدي هذا التصعيد الفوري إلى رصّ صفوف القوى المعترضة أو المتخوفة من الاتفاق في كلا الجانبين، إذ يمنح الطرف الإسرائيلي الذريعة لتأكيد أنّ التهديد العسكري لا يزال قائماً ومستمراً، وبالمثل، يعزز لدى الأوساط القلقة في طهران فكرة عدم نضوج الظروف الإقليمية لتقديم التزامات نهائية. ومع ذلك، تظل التساؤلات مفتوحة عمّا إذا كان هذا التصعيد سيؤدي إلى تجميد كامل ومستدام للتفاهم الإقليمي ـ الدولي، أم أنّه يمثل «ربع الساعة الأخير» من التفاوض لتحسين الشروط قبيل التوقيع.

يوم خاص

وكان ترامب علق على قصف الضاحية فكتب على منصة «تروث سوشيال»: «هجوم هذا الصباح على بيروت ما كان ينبغي له أن يحدث، لا سيما في يوم خاص نكون فيه قريبين جداً من التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران. إنّ لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضدّ التهديدات، لكن الهجوم الذي كانت تردّ عليه كان صغيراً جداً ولا معنى له، ولم يصب أو يجرح أو يُقتل فيه أحد، ولا ينبغي أن يعطل هذه العملية المهمّة. نحن قريبون جداً من اتفاق سيجلب السلام إلى المنطقة، بما في ذلك لبنان، وعلى جميع الأطراف التراجع. يجب أن لا تكون هناك هجمات أخرى من جانب إسرائيل في أي مكان في لبنان، ولكن يجب أيضاً أن لا تكون هناك هجمات أخرى من قبل أي طرف آخر، بما في ذلك «حزب الله»، ضدّ إسرائيل. يمكن أن يكون هذا بداية لسلام طويل وجميل — دعونا لا نضيّع الفرصة! شكراً لاهتمامكم بهذا الأمر».

ولاحقاً قال ترامب لقناة «فوكس نيوز»: «أعتقد أنّ الاتفاق مع إيران سيوقّع خلال ساعتين أو 3، وإذا تمّ توقيع الاتفاق الليلة فسأصدر الأمر فوراً برفع الحصار البحري عن إيران. وأكّد أنّ «توقيع الاتفاق مع إيران سيكون من بعد ثم سيكون هناك توقيع حضوري قد يتمّ في أوروبا بعد أسبوع». وقال: «سأطلب من طهران عدم الردّ على الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، وطلبت من نتنياهو عدم شن مزيد من الضربات في لبنان. وسألته ما هذا الشيء اللعين الذي تفعله في لبنان؟».

ونقل موقع «أكسيوس» عن ترامب قوله إنّ «توقيع الاتفاق مع إيران يسير وفق الخطة لهذا اليوم رغم القصف الإسرائيلي لبيروت وتهديد طهران بردّ»، مضيفاً: «لا أدري لِمَ قام نتنياهو بالهجوم على بيروت، وقد أغضبني ذلك. وقلت له إنّه يفتقر إلى الحكمة، وأخبرت نتنياهو بغضبي من الهجوم، وأنّه يفتقر تماماً إلى حسن التقدير». وأكّد أنّ «الهجوم الإسرائيلي على بيروت أدّى إلى تأخير التوقيع لساعات. والآن تمّ تحديد موعده بعد بضع ساعات، وأنّ الاتفاق سيكون لمصلحة إسرائيل لأنّه سيمنع إيران من امتلاك سلاح نووي ويلزمها بالتخلص من المواد النووية».

وبالتزامن، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، عبر قناة «سي بي إس نيوز» أنّ الإدارة الأميركية تعتقد أنّ الضربات الإسرائيلية الأخيرة على بيروت لن تعرقل الاتفاق الأميركي- الإيراني. وقال رداً على سؤال حول ما إذا كانت الضربات الإسرائيلية الأخيرة قد تعرقل الاتفاق: «على حدّ علمي، نحن نسير في الاتجاه الصحيح.. السؤال ليس ما إذا كان سيحدث، بل متى سيحدث». وأضاف: «نتابع عن كثب إطلاق «حزب الله» صواريخ نحو شمال إسرائيل، وهو أمر يجب التوقف عنه» معتبراً انّ ردّ إسرائيل على الحزب أمس «اتسمّ بضبط النفس». وختم: «نحن على المسار الصحيح لتوقيع الاتفاق مع إيران اليوم (أمس)، وإذا أرادت إيران لهذا الأمر أن يصمد فعليها كبح جماح حزب الله».

ونقلت شبكة «فوكس نيوز» نقلاً عن مسؤول أميركي، قوله انّ الهجوم على الضاحية الجنوبية «هو محاولة إسرائيلية واضحة لتخريب الاتفاق الجاري بلورته بين واشنطن وطهران». وأضاف انّ هذا الهجوم «سيعقّد المفاوضات الجارية مع إيران».

الموقف الإيراني

في المقابل، توعدت إيران بالردّ على إسرائيل. واعتبر أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، مساء امس، أنّ «لبنان هو روحنا ولن نقبل انتهاك خطوطنا الحمراء»، مؤكّدًا أنّ «الردّ بات وشيكاً». وقال: «وحدة الساحات أنشأت سلسلة دفاعات عن المنطقة.

وترافق ذلك مع اعلان وزارة الخارجية الإيرانية بأنّ إيران «لن توقع الاتفاق مع أميركا اليوم (أمس)». وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد ‌باقر قاليباف على منصة «إكس»: «إنّ الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت يُظهر أنّ الولايات المتحدة إما تفتقر إلى الإرادة للوفاء بالتزاماتها أو إلى القدرة ‌على ذلك». وأضاف أنّ «الاستمرار في المسار الحالي سيكون مستحيلاً إذا لم يتمّ الوفاء بالالتزامات». فيما أعلن مساعد قائد مقر خاتم الأنبياء الإيراني أنّ «الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت لن تبقى من دون ردّ».

واعتبر رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني ابراهيم عزيزي بأنّ «جريمة اليوم التي ارتكبها الكيان الصهيوني في الضاحية ببيروت أثبتت مرّة أخرى أنّ الولايات المتحدة ضعيفة وتفتقر إلى الصدقية، لأنّها غير قادرة حتى على السيطرة على هذا الكيان غير الشرعي». ‏واكّد «انّ هناك ردّاً قوياً قادماً».

وقال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي انّه «لا يجوز لنا أن نرتكب خطأً في التقدير؛ حتى لو أردنا اتفاقاً أو تفاهماً، فإنّ السبيل إلى ذلك هو تأديب النظام الصهيوني، إذا لم يُكبح جماح هذا الكيان المتوحش، فلن يزول أثر توقيع التفاهم، بل سيُلحق بنا الضرر».

وقال الحرس الثوري الإيراني في بيان: «لقد حذّرنا مراراً وتكراراً، وأكّدنا في أكثر من مناسبة، أنّ الضاحية الجنوبية في بيروت تمثل خطاً أحمر لا يمكن التهاون في تجاوزه». واضاف: «لقد أبلغنا الى العدو الصهيوني بكل وضوح وعبر قنوات متعددة، أنّ أي استهداف لهذه المنطقة أو المساس بسيادة المقاومة ورموزها هو لعب بالنار سيحرق كيانه الهش، لكن يبدو أنّ هذا العدو الغاشم قد تعامى عن تحذيراتنا، وظن واهماً أنّ سياسة العربدة والعدوان ستمر بلا عقاب. إنّ ما أقدم عليه العدو من تمادٍ في عدوانه الغادر، يثبت مجدداً أنّه لا يفهم إلّا لغة القوة، وأنّ وعيدنا ليس مجرد شعارات، بل هو التزام راسخ، وعليه إننا نعلن للعدو وداعميه أنّ زمن الاستفراد قد ولّى، وأنّ وقت الحساب قد دنا. فليترقب العدو، وليجهز ملاجئه، فإنّه على موعد مع ردنا المزلزل الذي سيهز أركان كيانه الغاصب، وسيكون درساً لن ينساه، وسيبدأ ذلك قبل بزوغ فجر الغد (اليوم).»

وأفادت وكالة «فارس» انّ طهران كانت تنقل رسالة لواشنطن عبر الوسيط القطري قبل أن تقصف إسرائيل بيروت في حين قالت القناة 12 الإسرائيلية انّ إيران تهدّد بوقف المفاوضات مع الولايات المتحدة عقب استهداف الضاحية في بيروت.

الموقف الإسرائيلي

وكانت القناة 12 الإسرائيلية قالت انّ الغارة على الغبيري استهدفت مسؤول وحدة الارتباط في «حزب الله» علي الحاج، حيث استشهد في الغارة مع زوجته سلام شقير وأخته سلمى، فيما سقط اكثر من 15 جريحاً، وخلّفت الغارة دماراً كبيراً في المباني المجاورة والمحال التجارية.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس في بيان مشترك، أنّه بناءً على توجيهاتهما «شنّ الجيش الإسرائيلي ضربات في منطقة الضاحية الجنوبية في بيروت ضدّ أهداف إرهابية تابعة لمنظمة «حزب الله»، وذلك رداً على إطلاق الحزب النار باتجاه الأراضي الإسرائيلية».

وفي غضون ذلك، عايد نتنياهو ترامب بعيد ميلاده الثمانين الذي صادف امس قائلاً: «عيد ميلاد سعيد يا دونالد، يأتي عيد ميلادك هذا العام في وقت مميز، تحتفل أميركا بمرور 250 عامًا على الحرّية، أمة عظيمة بُنيت على الحرّية والإيمان».

وأردف نتنياهو «أتمنى لك دوام القوة والحيوية وأنت تقود أميركا نحو مستقبل مشرق من السلام بالقوة، بينما نواصل الارتقاء بالتحالف الأميركي الإسرائيلي إلى آفاق أوسع».

وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، بأنّ إسرائيل تستعد لاحتمال ردّ إيران بوابل من الصواريخ، ورفعت حالة التأهب في مختلف تشكيلاتها. فيما لفتت الجبهة الإسرائيلية الداخلية الى رفع مستوى التأهّب إلى أعلى درجة من دون تغيير في التعليمات حتى الآن.

ونقلت «اكسيوس» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين تأكيدهم، بأنّ إسرائيل أبلغت القيادة المركزية الأميركية مسبقاً قبل تنفيذ الضربة في بيروت. فيما قال وزير المال الإسرائيلية: «أوجدنا معادلة لا نسمح فيها لـ«حزب الله» بإطلاق النار على بلداتنا. وإذا أطلق نيرانه فسنهاجم مرّة أخرى».

وأعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير امس «أنّنا نواصل العمل في لبنان من أجل تعزيز الدفاع عن بلدات المنطقة الشمالية وتعميق الضربة الموجّهة إلى «حزب الله» من خلال المناورات البرية والنيران المنظومية». وأضاف، في حديث مع قادة الفرق والألوية في قيادة المنطقة الشمالية: «كل إنجاز عملياتي إضافي نحقّقه سيؤدي إلى استمرار استنزاف وتفكك الجبهة الجنوبية لحزب الله، وإلى تحسين الترتيبات الأمنية التي ستتحدّد في إطار المفاوضات بوساطة أميركية بين المستوى السياسي والحكومة اللبنانية». وقال: «نحن نتابع عن كثب ما يجري مع الحفاظ على درجة عالية من اليقظة والاستعداد على كافة الجبهات، فالواقع الحالي حساس ومعقّد. الجيش بكامله مصمّم ويقظ وجاهز ويعمل بمستويات متفاوتة من القوة في مختلف الساحات. وفي الوقت الراهن، تُعدّ الساحة اللبنانية مركز الثقل الرئيسي بالنسبة الينا، لكنّنا نستعد أيضاً لتطورات محتملة في ساحات أخرى».

ورأى أنّ «العملية في البوفور (قلعة الشقيف) ذات أهمية عملياتية بالغة، وتخدم أهداف المعركة، كونها تهدف إلى تعميق الإنجاز العملياتي في مواجهة «حزب الله» وحرمانه من قدرات البنية التحتية تحت الأرض، ومنظومات القيادة والسيطرة، وقدرات إطلاق النار التي طورها على مدى سنوات طويلة. وتشير المعطيات التي تمّ العثور عليها، سواء فوق الأرض أو تحتها، إلى أهمية البنية التحتية التي كُشف عنها، وإلى المكانة المركزية لمنطقة البوفور وتلة علي الطاهر بالنسبة إلى التنظيم في محاولاته للتحصن واستهداف سكان المنطقة الشمالية». واعتبر زامير أنّ «حزب الله» جرّ الكارثة على دولة لبنان وعلى الطائفة الشيعية، ويدرك المواطنون اللبنانيون ذلك جيداً. وقد تحوّلت جميع قرى جنوب لبنان إلى شبكة متشعبة من البنى التحتية».

 

 

الديار:

في توقيت بالغ الحساسية، وبينما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدفع باتجاه توقيع اتفاق مع ايران يوم أمس الأحد، دخلت اسرائيل، الممتعضة الى الأقصى الحدود من هذا التفاهم، على الخط بمحاولة أخيرة للإطاحة به. فقررت قصف الضاحية الجنوبية لبيروت ردا على إطلاق «حزب الله» النار على الأراضي الإسرائيلية، حسبما ادعت. 

ترامب ينتقد اسرائيل 

وفي انتقاد علني نادر للحكومة الإسرائيلية، اعتبر ترامب إن هجوم اسرائيل على ضاحية بيروت «ما كان ينبغي أن يقع» لأن المنطقة على مشارف «سلام طويل الأمد». وقال  «كان من المفترض ألا يقع هجوم بيروت هذا الصباح، لا سيما في يوم مميز ونحن على وشك التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران. لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد التهديدات، لكن الهجوم الذي ردت عليه كان محدوداً للغاية وغير ذي أهمية، ولا ينبغي أن يعرقل هذه العملية المهمة».

وأشار ترامب الى أن الطرفين الأميركي والاسرائيلي «على وشك التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يحقق السلام في المنطقة، بما في ذلك لبنان، وعلى جميع الأطراف وقف إطلاق النار. يجب ألا تشن إسرائيل أي هجمات أخرى في أي مكان في لبنان، كما يجب ألا تشن أي جهة أخرى، بما في ذلك (حزب الله)، أي هجمات أخرى ضد إسرائيل. قد تكون هذه بداية سلام طويل الأمد وجميل - فلنحافظ عليه!»

وكان ترمب أكد أن الاتفاق مع إيران لإنهاء الحرب سيُوقّع، الأحد، وسيليه مباشرة فتح مضيق هرمز، فيما لم تؤكد طهران إلى الآن موعد التوقيع هذا، إذ ذكرت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن طهران لم تتخذ بعد قراراً نهائيا بشأن الاتفاق مع واشنطن.

استياء إيراني

وأثار استهداف الضاحية استياء طهران التي هددت بالرد عليه. واعتبر كبير المفاوضين الايرانيين محمد باقر قاليباف أنّ «هجوم إسرائيل على الضاحية يظهر مجدّدًا عدم رغبة أميركا في الوفاء بالتزاماتها أو عدم قدرتها على ذلك». وشدّد قاليباف، عبر حسابه على «إكس»، على أنّهم «إذا لم تستطعوا الوفاء بالتزاماتكم فمن المستحيل الحديث عن مواصلة المسار التفاوضي»، معتبرًا أنّ «استمرار مسار التفاوض رهن تنفيذ واشنطن لالتزاماتها».

ونقلت وسائل إعلام إيرانيّة عن نائب قائد القيادة العسكريّة المشتركة في إيران قوله إنّ «جرائم الإسرائيليّين في لبنان لن تمرّ من دون ردّ». 

من جهتها، بررت الخارجيّة الإسرائيليّة الهجوم بقولها إن «حزب الله بادر بالهجوم صباحًا ولن نتسامح»، فيما أفادت القناة 14 الإسرائيليّة بعد ظهر الأحد بأن واشنطن تضغط بشدّة على إيران لعدم الردّ على إسرائيل.

اسرائيل لن تلتزم

ولفتت مصادر واسعة الاطلاع إلى أن الاستياء الإسرائيلي من المسار التفاوضي الأميركي - الإيراني بلغ ذروته، معتبرة أن تل أبيب تحاول، وستواصل محاولة، عرقلة أي اتفاق بين واشنطن وطهران، أياً تكن الأدوات التي قد تلجأ إليها لتحقيق ذلك.

ورأت المصادر أن الموقف الذي عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت غير مسبوق في لهجته ومضمونه، ويعكس حجم التباين القائم بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية في مقاربة الملفين الإيراني واللبناني.

وحذّرت المصادر من أن توقيع اتفاق أميركي - إيراني، وحتى ولو لحظ وقفا شاملا لإطلاق النار في لبنان، لا يعني بالضرورة التزام إسرائيل به على المدى الطويل، مرجحة أن تلتزم به في المرحلة الأولى شكلياً مراعاةً للرئيس الأميركي، لكنها لن تتردد في العودة إلى سياسة التصعيد الميداني وعمليات الاغتيال واستهداف الأراضي اللبنانية متى رأت أن هناك ما تعتبره محاولة من «حزب الله» لإعادة تنظيم صفوفه أو ترميم قدراته العسكرية.

وتستند هذه القراءة، بحسب المصادر، إلى التجربة التي أعقبت تفاهم وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حين واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية وأمنية رغم سريان الاتفاق، مستفيدة من تفسيراتها الخاصة لبنوده ومقتضياته.

ورجحت المصادر أن يكون هناك أصلا تفاهم أميركي- إسرائيلي ضمني على حرية الحركة لإسرائيل حتى ولو تم توقيع التفاهم مع طهران، مضيفة:»إن الإصرار الأميركي على إنجاز الاتفاق بالسرعة الممكنة، مقروناً بالمواقف غير المسبوقة التي يطلقها ترامب، يكشف أن واشنطن باتت ترى في استمرار المواجهة المفتوحة في المنطقة عائقاً لمصالحها وخططها أكثر مما تمثله لطهران. وفي حين تبدو الإدارة الأميركية في سباق مع الوقت لإنجاز التفاهم، لا تزال إيران تتعامل معه بقدر كبير من التريث، بالتوازي مع الحديث عن تعقيدات وانقسامات داخلية ايرانية تحول دون اتخاذ القرار النهائي بشأن توقيعه».

عملية الضاحية

 وبالعودة لتفاصيل عملية الضاحية، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة أن «غارة العدو الإسرائيلي على الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت أدت إلى 3 شهداء من بينهم سيدتان و16 جريحا من بينهم 4 سيدات».  وأفاد بيان مشترك صادر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي ‌بنيامين ‌نتنياهو ووزير ‌الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش الاسرائيلي هاجم الأحد أهدافا تابعة ‌لـ«حزب ‌الله» في الضاحية ‌الجنوبية لبيروت.

وقال البيان إن ‌الهجوم جاء رداً على إطلاق ⁠«حزب الله» النار على الأراضي الإسرائيلية.وأوضح الجيش الإسرائيلي لاحقاً أنه استهدف مركز قيادة لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وذكر موقع «أكسيوس» إن الجيش الإسرائيلي أبلغ القيادة المركزية الأميركية قبل وقت قصير من شن الغارة على بيروت.

وكانت اسرائيل قد أعلنت في وقت سابق الأحد أن 3 طائرات مسيّرة يُشتبه في أن «حزب الله» أطلقها في عمليات منفصلة الأحد دخلت الأجواء الإسرائيلية وتحطمت اثنتان منها في شمال إسرائيل من دون وقوع إصابات.

وردا على اطلاق هذه المسيرات، دعا وزير المالية الاسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، في منشور على «إكس» لضرب الضاحية، وقال إن «إطلاق النار على التجمعات السكانية الشمالية هو اختبار لعقيدة الضاحية التي أعلنها رئيس الوزراء (بنيامين نتانياهو)». 

وبالرغم من هذه المستجدات، بدا وزير الحرب الأميركي بيتر بريان هيغسيث مطمئنا لحتمية توقيع الاتفاق مع ايران، وقال:»نحن على مسار توقيع الاتفاق مع إيران والمسألة ليست ما إذا كنا سنوقعه بل متى». وأضاف هيغسيث في حديث لسي بي إس: «لا أتوقع أن تعرقل ضربات إسرائيل على الضاحية الجنوبية لبيروت الاتفاق مع إيران، وإذا أرادت إيران لهذا الأمر أن يصمد فعليها كبح جماح حزب الله.وتابع «أتوقع إجراء محادثات أكثر تقدما وأعتقد أن تلك المحادثات ستستمر. ونتابع عن كثب إطلاق حزب الله صواريخ نحو شمال إسرائيل وهو أمر يجب التوقف عنه».

الواقع الميداني 

وبالتوازي مع عملية الضاحية، واصلت اسرائيل عملياتها ومحاولاتها للتمدد خارج الخط الأصفر وبالتحديد عند أطراف بلدة مجدل زون وبلدة كفرتبنيت. 

واعتبرت مصادر أمنية أن إسرائيل تسعى إلى استثمار الفترة الفاصلة عن أي اتفاق أميركي - إيراني محتمل إلى أقصى حد ممكن، انطلاقاً من قناعتها بأن هامش حركتها العسكرية قد يتقلص لاحقاً تحت ضغط أميركي يهدف إلى تثبيت التهدئة في المنطقة.

ورأت المصادر أن هذا الواقع يفسر اندفاع الجيش الإسرائيلي إلى توسيع نطاق سيطرته الميدانية في الجنوب وتعزيز حضوره في المناطق الحدودية، بما يتيح لتل أبيب تحسين موقعها التفاوضي في أي ترتيبات أو تفاهمات مقبلة مع لبنان. وبحسب المصادر، فإن إسرائيل تعمل على تكوين أكبر قدر ممكن من الأوراق الميدانية قبل الدخول في مرحلة سياسية جديدة قد تفرض عليها قيوداً أكبر.

وأضافت المصادر أن إسرائيل ستواصل، خلال هذه المرحلة، عملياتها الرامية إلى كشف وتدمير ما تعتبره بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، سواء كانت أنفاقاً أو منشآت ومراكز لوجستية أو مواقع عسكرية، بهدف استكمال عملية استنزاف قدراته وإضعاف إمكاناته إلى الحد الأقصى قبل أي وقف شامل ومستدام لإطلاق النار.

بالمقابل، كثّف «حزب الله» عملياته، وأعلن في سلسلة بيانات، التصدي لمسيرات إسرائيليّة من نوع «هرمز 450 - زيك» في أجواء منطقة صيدا وفي أجواء إقليم التفاح، بصواريخ أرض جو ما أجبرها على التراجع، كما استهدف تجمّعات لجنود جيش العدوّ الإسرائيليّ في بلدات القنطرة ورشاف وشمع والناقورة والطيبة ومحيط قلعة الشقيف. 

توتر في عين الحلوة

كذلك، وعلى الصعيد الأمني، كان لافتاً أمس التوتر الذي شهده مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في مدينة صيدا جنوب لبنان،  اثر إطلاق نار باتجاه ضابطين في الامن الوطني الفلسطيني، اثناء وجودهما عند حاجز الحسبة داخل المخيم، وهما  كل من محمد فتحي وهيثم غوطاني، ما أدى إلى مقتلهما. 

ودان مدير العلاقات العامة والإعلام في الامن الوطني الفلسطيني المقدم عبد الهادي الاسدي الحادث، مؤكدا انها «اياد مشبوهة تستكمل العدوان الاسرائيلي على شعبنا في فلسطين، وما يقوم به في لبنان من اجل توتير المخيمات، خصوصا في ظل هذه الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة». ولفت إلى ان «فتح والأمن الوطني الفلسطيني باشرتا تحقيقاتهما».

 

 

"نداء الوطن":

أعاد إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، فجر اليوم، موافقة الولايات المتحدة وإيران على السلام، والوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، خلط الأوراق دفعة واحدة، بعدما كادت غارة الضاحية أمس أن تُبطئ زخم التفاهم في لحظاته الأخيرة. ومع هذا الإعلان، تدخل المنطقة اختبارها السياسي الكبير، إذ إن الاتفاق المفترض أن يفتح باب الاستقرار الإقليمي، سينسف منطق «الممانعة» وسلاحها ووظائفها. فأي صيغة تتحدث عن السلام، «بما في ذلك لبنان»، كما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس في منشور عبر منصة «تروث سوشيال»، تعني عمليًا أن لبنان انتقل إلى مظلة رعاية دولية، بما يتيح انتزاعه من دائرة نفوذ «الحرس الثوري»، لأن أي تسوية جدية وجذرية لا يمكن أن تقوم على سلاح خارج الدولة، ولا على قرار حرب وسلم ممسوك من خارج الحدود.

وإزاء هذه الأجواء المستجدة، أكد مصدر رسمي لـ«نداء الوطن» أن لا مخاوف لدى الدولة اللبنانية من حصول أي صفقة على حساب الوطن، مشددًا على أن بيروت وحدها تفاوض باسمه، وأن طهران لن تتمكن من الحصول على «الورقة اللبنانية» في أي تفاهم مقبل. وأوضح المصدر أن هذا الاطمئنان يستند إلى موقف رئيسي الجمهورية والحكومة، جوزاف عون ونواف سلام، المتمسك باستقلالية القرار الوطني، وإلى الدعم الأميركي الواضح لهذا المسار. واعتبر أن كل ما يُقال عن أن الولايات المتحدة تتواصل مع إيران أو «حزب الله» لتقرير مصير هذا الملف لا أساس له من الصحة، وهو مجرد بروباغندا تهدف إلى التشكيك بدور الدولة. والدليل، بحسب المصدر، هو استمرار التحضيرات الرسمية لجولات التفاوض الجديدة في واشنطن في 22 حزيران.

وعلى هذا الخط، لفتت مصادر دبلوماسية، استنادًا إلى معلومات متقاطعة، إلى أن «الحزب» يدرك جيدًا أن المسار اللبناني - الإسرائيلي مستمر، ولذلك يحاول استدراك موقعه وانتزاع مكاسب داخلية من حساب الدولة.

في هذا السياق، رأت مصادر مطلعة على المفاوضات الجارية في واشنطن أن أخطر ما في كلام النائب في «حزب الله» أمين شري أنه لا يهاجم التفاوض من حيث المبدأ، بل حق لبنان في أن يكون صاحب القرار في أي تفاوض يتعلق بأرضه وحدوده ومستقبله. فـ«الحزب» يتفاءل بالاتفاق الأميركي - الإيراني، لأنه يدرك أن إيران تفاوض على مصالحها ومصالح أدواتها في المنطقة. لكنه يرفض المسار اللبناني المباشر، لأن الدولة، حين تفاوض باسم لبنان، تفاوض على مصلحة شعبها كله، لا على مصلحة محور أو سلاح. ونجاح هذا المسار يعني أن الدولة بدأت تستعيد موقعها الطبيعي، وأن ملف السلاح، عاجلا أو آجلا، لن يبقى خارج النقاش.

وأشارت المصادر إلى أن هنا يكمن جوهر التناقض: فـ«الحزب» يقبل أن يبقى لبنان ورقة في يد إيران، لكنه لا يقبل أن يصبح دولة تقرر لنفسها. يقبل بتفاوض طهران مع واشنطن، ويرفض تفاوض بيروت على أرضها وحدودها ونازحيها، لأن مصالح «الجمهورية الإسلامية» عنده تأتي أولا، أما مصلحة الجمهورية اللبنانية فتبقى مشروطة بعدم المساس بالسلاح.

لذلك، حين يكرر «حزب الله» رفضه للتفاوض اللبناني، فهو لا يدافع عن السيادة، بل يدافع عن موقع السلاح فوق رأس الدولة. يريد تسوية تحفظ السلاح وتبقي الدولة ضعيفة، لا مسارًا يعيد إلى لبنان قراره الكامل. وكان شري قد أعرب، في حديث إذاعي، عن تفاؤله بالاتفاق الأميركي - الإيراني «في الشكل والمضمون»، لكنه انتقد مسار المفاوضات المباشرة في واشنطن، معتبرًا أن «الدولة قدمت تنازلات لإسرائيل من دون ضمانات للبنان». كما أكد أن «حزب الله لا يوافق على استكمال هذا المسار التفاوضي المباشر، وأن أحدًا لن يتمكن من نزع سلاحه».

وبالانتقال من المسار السياسي والتفاوضي إلى تفكيك أدوات النفوذ المالي لـ«حزب الله»، تتجه الأنظار إلى المسار القضائي والإداري الذي سيتخذه ملف «القرض الحسن»، عقب المعلومات التي تم تداولها عن إحالة وزير العدل عادل نصّار إلى النيابة العامة التمييزية كتابًا طلب فيه فتح تحقيق بشأن نشاطات المؤسسة، على خلفية معطيات داخلية وخارجية تتعلق بطبيعة عملها ومصادر تمويلها وآليات نشاطها المالي.

وأفادت مصادر «نداء الوطن» بأن مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج اطّلع على الخبر عبر وسائل الإعلام، بانتظار نهار الإثنين للاطلاع على البريد الرسمي الوارد من وزارة العدل، ومراجعة مضمون الإحالة والكتاب المرفق، تمهيدًا لدراسته وتحديد الخطوات القانونية المناسبة بناء على المعطيات الواردة فيه. وبحسب المصادر نفسها، فإن القاضي الحاج سيطّلع على المعطيات التي استند إليها الوزير نصّار في طلبه ليبني الموقف القانوني في هذا الإطار، وفي ضوء هذه المعطيات سيتواصل مع رئيسي الجمهورية والحكومة، نظرا إلى أهمية هذا الملف وارتباطه بتصنيف لبنان على اللائحة الرمادية.

أما ميدانيًّا، فأعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن الجيش يواصل عملياته في لبنان لتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال وتعميق الضربة ضد «حزب الله». وأكد أن الساحة اللبنانية باتت مركز الثقل الرئيسي للجيش الإسرائيلي، مع الاستعداد لتطورات محتملة في ساحات أخرى. كما شدد على أهمية العملية في قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر. وفي هذا السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف، نهاية الأسبوع الماضي، موقعًا في جنوب لبنان، وقضى على المدعو علي موسى دقدوق، وهو قيادي بارز في «الحزب».

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : الصحف اللبنانية