ندوة للرابطة العربية للبحث العلمي عن "الملكية الفكرية في عصر الذكاء الإصطناعي: إشكاليات وتحديات جديدة"

الرئيسية بحوث علمية / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jun 14 26|14:46PM :نشر بتاريخ

في لحظة مفصلية من التحول الرقمي العالمي، تبرز إشكالية الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي بوصفها واحدة من أكثر القضايا القانونية والثقافية تعقيداً، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على حماية المصنفات من الانتحال، بل امتد إلى سؤال أعمق: من يملك الإبداع في زمن الآلة الذكية؟ هذا السؤال كان في صلب ندوة علمية متخصصة نظّمتها "الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال" (AARCS)، بالشراكة مع "الملتقى العربي لكلية الإعلام واللغات التطبيقية في جامعة النهضة"، بعنوان: "الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي: إشكاليات وتحديات جديدة".
الندوة، التي جمعت أكاديميين وخبراء إعلام وقانون وتحول رقمي، لم تكتفِ بطرح الأسئلة النظرية، بل حاولت تفكيك البنية القانونية والمعرفية التي تحكم العلاقة المتوترة بين الإبداع الإنساني والخوارزميات. وشارك في الفعالية كل من الدكتورة مي العبدالله، رئيسة الرابطة وأستاذة الصحافة في الجامعة اللبنانية، والدكتورة هبة الله السمري، عميدة كلية الإعلام واللغات التطبيقية في جامعة النهضة (مديرة الندوة)، إلى جانب الدكتور عصام نصر، والدكتور زياد عبد التواب، والدكتور محمد ثروت، وبحضور أكاديمي وطلابي لافت.

أولاً: د. هبة الله السمري تتقصّى حجم التحولات
في افتتاح الندوة، قدّمت الدكتورة هبة الله السمري قراءة شاملة للتحول الذي فرضه الذكاء الاصطناعي على بنية الإنتاج الإبداعي، مشيرة إلى أن العالم بات أمام أدوات قادرة على إنتاج النصوص والصور والفيديوهات والمحتوى الفني بدرجة غير مسبوقة من الدقة والسرعة. لكن هذا التطور، وفق ما طرحته، لا يأتي من دون كلفة قانونية ومعرفية، إذ أعاد فتح أسئلة كانت تبدو محسومة: من هو المؤلف؟ من يملك العمل؟ وهل يمكن للآلة أن تُنسب إليها صفة الإبداع؟

وتذهب السمري إلى أن الإشكالية لم تعد محصورة في "حماية المصنف من النسخ"، بل اتسعت لتشمل منظومة كاملة من الأسئلة المتعلقة بالملكية، وحدود الاستخدام، وحقوق التدريب على البيانات، وصولاً إلى الاستنساخ الرقمي ومحاكاة الأساليب الفنية. والأهم، أن عدداً من الدول لم تعد تتعامل مع هذه التحولات كظاهرة مستقبلية، بل كواقع تشريعي قائم. فقد بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والصين واليابان في صياغة أطر قانونية لتنظيم استخدام المصنفات المحمية في تدريب النماذج الذكية، في محاولة لتحقيق معادلة دقيقة بين الابتكار وحماية الحقوق.
في السياق نفسه، تواصل منظمة الملكية الفكرية العالمية (WIPO) لعب دور الوسيط الدولي في محاولة بناء توافق عالمي بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمبدعين، في ملف يتسم بتباين شديد في المصالح والرؤى.

ورغم هذا الحراك الدولي، بقي السؤال الأكثر حساسية في الندوة موجهاً نحو الداخل: أين تقف مصر من هذه التحولات؟ طُرحت تساؤلات صريحة حول جاهزية المنظومة التشريعية المصرية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الأدوات القانونية الحالية قادرة على استيعاب واقع إنتاج معرفي لم يعد بشرياً بالكامل. وتحوّل النقاش إلى ما يشبه مراجعة نقدية للفراغات التشريعية المحتملة، وللحاجة إلى تحديثات عاجلة لا تكتفي بتنظيم الاستخدام، بل تمتد إلى تعريف المؤلف نفسه وإعادة ضبط مفهوم الملكية الفكرية في البيئة الرقمية.

ثانياً: د. عصام نصر يرسم خطاً من "المصنف" إلى "منظومة الإبداع"
ثم قدّم الدكتور عصام نصر، أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة، مقاربة نظرية تعيد صياغة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، مؤكداً أن التحول الجوهري اليوم يتمثل في الانتقال من حماية "المصنف" إلى حوكمة "منظومة الإبداع" كاملة. وهذا التحول، بحسب نصر، يعني أن النقاش لم يعد يدور حول المنتج النهائي فقط، بل حول سلسلة الإنتاج كاملة: البيانات، التدريب، النماذج، النشر، وصولاً إلى الاستثمار التجاري.

ويطرح هذا التحول سؤالاً بالغ الحساسية: لمن تعود ملكية العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟ هل للمستخدم الذي يكتب الأوامر؟ أم للمطور الذي يصمم النموذج؟ أم للمنصة التي تديره؟ أم أنها ملكية هجينة تتوزع بين أطراف متعددة؟ كما سلّط الضوء على إشكالية "البيانات التدريبية"، باعتبارها نقطة التوتر الأساسية، إذ تعتمد النماذج على كميات هائلة من الأعمال المحمية، ما يثير نزاعاً بين مفهوم "الاستخدام العادل" وحقوق الملكية الصارمة.

والأكثر خطورة، وفق طرحه، لم يعد في النسخ المباشر، بل في قدرة النماذج على محاكاة "الأسلوب" و"البصمة الإبداعية"، بما يهدد الهوية الفنية نفسها.

ثالثاً: د. زياد عبد التواب يقرأ معركة قانونية على حدود الإبداع
في مداخلة أكثر تشريحاً للبنية القانونية، قدّم المهندس الدكتور زياد عبد التواب، خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات وعضو المجلس الأعلى للثقافة، قراءة تعتبر أن الذكاء الاصطناعي أعاد فتح جذور النزاع بين القانون والتكنولوجيا. وأوضح أن نقطة الانطلاق هي "بيانات التدريب"، وهي في جوهرها إنتاج بشري تراكمي، يتم استغلاله في تدريب أنظمة قادرة على إنتاج محتوى جديد.
لكن الإشكالية الأولى، كما يطرحها، تتمثل في ضرورة حصول الشركات على إذن مسبق من أصحاب الحقوق، مقابل تعويضات مالية محتملة، في مقابل رأي قانوني آخر يعتبر أن هذا الاستخدام يدخل ضمن "الاستخدام العادل" (Fair Use). وأشار إلى قضية شركة "أنثروبيك" (Anthropic) وتطبيق "كلود" (Claude)، التي ألزمت فيها الشركة بدفع 1.5 مليار دولار تعويضات، باعتبارها نموذجاً على تصاعد المواجهة القضائية في هذا الملف.

أما الإشكالية الثانية، فتتعلق بوضع المخرجات نفسها: هل يمكن حماية إنتاج الذكاء الاصطناعي قانونياً؟ والاتجاه الغالب، وفق عبد التواب، يميل إلى استبعاد الحماية عن الأعمال المنتجة بشكل كامل بواسطة الآلة، إلا إذا تضمن العمل مساهمة بشرية جوهرية تمنحه طابعاً إبداعياً مستقلاً.

رابعاً: د. محمد ثروت يتلمّس صراعاً ثلاثياً على الملكية
كما قدّم الدكتور محمد ثروت، مدير عام تحرير مؤسسة "اليوم السابع"، تفكيكاً أكثر تفصيلاً للبنية القانونية للنزاع، مقسّماً إياه إلى ثلاثة محاور رئيسية: أولها المصنفات المولدة بالذكاء الاصطناعي، حيث ترفض معظم التشريعات منحها حماية حقوق المؤلف إذا غابت المساهمة البشرية. وثانيها ملكية المخرجات، والتي تظل محل خلاف بين نسبتها للمستخدم أو المطور أو المنصة، خاصة في ظل دور "الأوامر النصية" (Prompts) في تشكيل المحتوى النهائي. وثالثها بيانات التدريب، وهي الأكثر إثارة للنزاع القضائي، نظراً لاعتماد النماذج على أرشيفات ضخمة من أعمال محمية.
ويشير إلى أن بعض المحاكم تميل إلى اعتبار هذا الاستخدام ضمن "الاستخدام العادل"، بينما يطالب آخرون بتشريعات أكثر صرامة. وعلى المستوى الدولي، تلعب منظمة (WIPO) دوراً محورياً في محاولة بناء توافق عالمي، في وقت تتسارع فيه التشريعات الوطنية.

أما عربياً، فتبرز تحركات في مصر والسعودية لتطوير أطر تنظيمية، من بينها أدلة إرشادية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في المصنفات الإبداعية. وفي بُعد أكثر حساسية، أشار إلى قضايا واقعية تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى ترويجي مرتبط بالمتحف المصري الكبير، وما أثاره من إشكالات قانونية، إلى جانب جدل "NFTs" والبلوك تشين، التي أعادت طرح سؤال ملكية الفن الرقمي.

خامساً: بين قانون لم يُكتب بعد ومستقبل يُكتب الآن
تُجمع مداخلات الندوة على أن العالم يقف أمام مرحلة انتقالية غير مسبوقة، حيث لم تعد الملكية الفكرية مجرد إطار قانوني، بل أصبحت ساحة صراع بين الإنسان والآلة، وبين الإبداع والبيانات، وبين القانون والتكنولوجيا. وإذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف مفهوم الإبداع نفسه، فإن السؤال الأعمق الذي يظل مفتوحاً هو: هل تستطيع التشريعات الحالية اللحاق بعالم يتغير أسرع من قدرتها على التنظيم؟ وما خرجت به الندوة لا يبدو إجابة نهائية، بل خريطة أسئلة مفتوحة، تؤكد أن معركة الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تبدأ بعد، بل ما تزال في بدايتها الأولى.
 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan