جنبلاط: إسرائيل صنعت غزة صغيرة في لبنان
الرئيسية سياسة / Ecco Watan
الكاتب : المحرر السياسي
May 15 26|12:04PM :نشر بتاريخ
أجرت صحيفة "ميديا بارت" الفرنسية الإلكترونية حواراً مع الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، جاء فيه:
"تكتبون في مذكراتكم أنكم خلال خمسين عاماً من العمل السياسي لم تعرفوا سوى الحروب، وأن لديكم شعوراً بحرب لا تنتهي. واليوم تعود الحرب لتشتعل في لبنان والمنطقة. هل هي الحرب نفسها؟
أجاب جنبلاط: بالنسبة إلى لبنان، لحسن الحظ ليست الحرب نفسها. لم تعد حرباً أهلية كما بين عامي 1975 و1991. أما إذا تحدثنا عن المنطقة، فهناك مشروع كبير يهدف إلى نسف الشرق الأوسط القديم الذي نشأ بعد اتفاقيات سايكس – بيكو.
وتابع: هذا المشروع بدأ مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003. استخدمت الولايات المتحدة ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة لتفكيك العراق كدولة موحدة. وربما لم يكن العراق ليستمر موحداً تحت حكم صدام حسين، لكن تفكيكه أدى إلى تفكك العالم العربي كله، وسمح لإيران بالتوسع داخل العراق وربط نفوذها بسوريا الأسد.
وسئل: هل ما زال هذا المشروع قائماً اليوم؟
قال: نعم، تحت شعار "إسرائيل الكبرى"، رغم أن تعريف هذا المشروع ليس واضحاً تماماً. جذوره تعود إلى وعد بلفور ثم قيام إسرائيل. في البداية كانت إسرائيل ملاذاً، لكنها تحولت إلى إمبراطورية. وهذه الإمبراطورية لا يمكنها البقاء إلا وسط فوضى عامة في المنطقة.
وأضاف جنبلاط: إسرائيل لا تريد بقاء الدول الوطنية التي نشأت بعد سايكس – بيكو واستقلت بعد الانتدابين الفرنسي والبريطاني. ولكي تقوم "إسرائيل الكبرى"، يجب أن تحكم القبائل والطوائف والمجتمعات الصغيرة، أي الفوضى.
وأردف: بدأ الأمر بالعراق، ثم يأتي اليوم تهجير الفلسطينيين تدريجياً من أرضهم: أولاً في غزة، ثم ربما لاحقاً في الضفة الغربية وحتى فلسطينيي الداخل. والسؤال المطروح أيضاً: هل ستبقى سوريا موحدة؟
وجاء سؤال على الشكل التالي: على امتداد مذكراتكم، تشرحون كيف حاربتم، على خطى والدكم، النزعات الانفصالية والطائفية في لبنان. لكن هذه النزعات تبدو وكأنها تعود اليوم. كيف تنظرون إلى ذلك؟
أجاب جنبلاط: أنا ولدت درزياً وأعتز بانتمائي. والدروز، مع آل جنبلاط، لعبوا دوراً مهماً طوال نحو 300 عام. لكنني اخترت، كما فعل والدي، الانتماء إلى الفضاء العربي الكبير، مع الحفاظ على لبنانيتي. في النهاية نحن عرب، وأنتمي إلى الأمة العربية إن كانت ما تزال موجودة.
وتابع: بالنسبة إلى أقلية، فإن الانفتاح على الفضاء العربي أكثر منطقية من الانغلاق والتحول إلى طائفة صغيرة مهددة بالزوال، أو التحول، كما هو حال الدروز الإسرائيليين، إلى حرّاس حدود جيدين لإسرائيل.
وسئل: تروون في مذكراتكم كيف حاول الإسرائيليون عام 1982 استمالتكم عبر "الورقة الدرزية". هل ما زالت هذه الورقة قائمة اليوم؟
قال: دائماً، لكن على نطاق أوسع. رأينا ذلك في جبل العرب في سوريا. ففي عام 2023، عندما انتفض الدروز ضد بشار الأسد، رُفعت صور والدي كمال جنبلاط في المظاهرات. لكن كان هناك فخ.
وأضاف: حكمت الهجري، الذي كان من رجال نظام الأسد، انتقل إلى المعسكر الإسرائيلي، وذهب إلى إسرائيل مطالباً بالسيادة والاستقلال للدروز. لكن هذا يعني الوقوف ضد العالم العربي كله، وأنا كنت دائماً ضد هذا التوجه.
وتابع: أما الضابط الإسرائيلي الدرزي الذي زارني عام 1982 لمحاولة استمالتي، فماذا فعلت إسرائيل خلال احتلالها للجبل؟ لم تحاول حتى وقف المجازر المتبادلة بين الدروز والمسيحيين، لأنها كانت تريد تغذية الكراهية الطائفية، وقد نجحت بذلك.
وعن خطابات الكراهية وعودتها إلى لبنان سئل جنبلاط: هل تخشون حرباً أهلية جديدة؟
أجاب: لا، لأن الحرب الأهلية تحتاج إلى طرفين مسلحين، وحالياً وحده حزب الله يملك السلاح. لكننا نعيش مرحلة عدم استقرار خطيرة، وبعض القادة اللبنانيين قد يكونون فعلاً راغبين في إعادة الحرب الأهلية لأنهم أسرى ماضيهم.
وأردف: اليوم هناك من يشجع على رفض الطائفة الشيعية بأكملها بحجة عزل حزب الله، وكأن كل الشيعة هم حزب الله. هذا أمر عبثي.
واضاف جنبلاط: هذا يعيد إلى الأذهان فكرة إسرائيلية قديمة، دعمها بعض رموز اليمين اللبناني، تقوم على اعتبار جبل لبنان أرضاً مسيحية، وأن الحل هو "إعادة" الشيعة إلى العراق. واليوم نسمع مجدداً هذه النظرية الانتحارية التي تدعو إلى طرد الشيعة من لبنان، متناسين أنهم جزء أساسي من المجتمع اللبناني منذ قرون.
وعن المطالب الأميركية سئل جنبلاط: كيف تنظرون إلى المطالب الأميركية والإسرائيلية بنزع سلاح حزب الله فوراً؟
أجاب: يجب الحوار مع حزب الله، فهو ليس جسماً غريباً عن لبنان. المشكلة اليوم: مع من نتحاور داخل الحزب؟ أيام حسن نصرالله كان بالإمكان الحوار معه، لأنه كان يفهم لبنان بطريقته، وكان يملك قاعدة شعبية كبيرة.
وتابع: أما اليوم فلا نعرف من يقود الحزب فعلياً. نعيم قاسم مجرد متحدث، وليس صاحب القرار.
وأضاف: في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والاغتيالات والقصف، لا يمكن مطالبة مقاتل في حزب الله بتسليم سلاحه. سيقول لك ببساطة: اذهب بعيداً.
وأردف: كي يُطرح نزع السلاح، يجب أولاً تحقيق قدر من الهدوء، وانسحاب الإسرائيليين بضمانات أميركية، وتعزيز الجيش اللبناني، وإنشاء قوة دولية جديدة تحل محل اليونيفيل.
وقال: دعونا نكن واضحين: نزع سلاح حزب الله بالقوة، كما يطالب الأميركيون، مستحيل عسكرياً ولبنانياً. فالجيش اللبناني مؤلف من لبنانيين، شيعة وسنة ودروز وغيرهم، ولا يمكن دفعه لقتال قرى شيعية.
وجاء سؤال آخر قيل فيه: إسرائيل تحتل مجدداً جزءاً من لبنان، وهناك مفاوضات جارية في واشنطن. هل يعيد التاريخ نفسه؟
قال جنبلاط: التاريخ يعيد نفسه، لكن بوسائل أكثر وحشية وتطوراً. في السابق لم تكن إسرائيل قد دمرت المنطقة المحتلة كما تفعل اليوم جنوب الخط الأصفر الذي رسمته من جانب واحد. لقد تصرفت كما فعلت في غزة. صنعت "غزة صغيرة" في لبنان.
وأضاف: أما المفاوضات فأنا أؤيدها، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، لكن بشروط: العودة إلى خط هدنة 1949، مع آلية مراقبة متبادلة وقوة دولية قد تضم الفرنسيين والإيطاليين.
وعن نظام الأسد سئل: من الأخبار النادرة الجيدة في المنطقة سقوط نظام الأسد، وقد رحبتم بذلك. كيف تنظرون اليوم إلى أحمد الشرع؟
قال جنبلاط: سقوط نظام الأسد كان ارتياحاً كبيراً. أخيراً أصبحت سوريا حرة. كنت أول من زار دمشق للقاء أحمد الشرع، ثم تبعني ترامب وماكرون.
وتابع: البعض في لبنان، حتى خارج حزب الله، لا يتقبل نهاية نظام الأسد. وهناك من يفضل استمرار حكم الأقلية العلوية على وصول سني إلى السلطة.
وأضاف: أحمد الشرع يمثل غالبية السوريين. يقولون إنه متطرف، لكن ربما غيّر أفكاره. ولا يمكن القول إن نظام الأسد لم يكن متطرفاً أو شمولياً.
وأردف: أعتقد أن أحمد الشرع ذكي ويجب مساعدته.
وسئل جنبلاط عن مجازر السويداء بحق الدروز، ماذا عنها؟
أجاب: الشرع لم يكن قد شكل جيشاً وطنياً بعد، وبعض عناصر ميليشياته لم يفهموا خصوصية دروز السويداء. كما كانت هناك مشاريع تقسيم يقودها حكمت الهجري.
وأضاف: في بعض التظاهرات بعد المجازر، رُفعت صور نتنياهو إلى جانب صور سلطان باشا الأطرش. يا لها من مفارقة تاريخية!
وقال: للأسف، أصبح النزوع الانفصالي قوياً في السويداء.
وتابع جنبلاط: طلبت من أحمد الشرع تشكيل لجنة تحقيق، وقد فعل. والآن يجب محاسبة المرتكبين وتحقيق مصالحة بين الدروز والبدو.
وسئل ايضاً: هل تعتبرون أن تفكك سوريا خطر كبير؟
قال: سأفعل كل ما بوسعي للحفاظ على سوريا موحدة. سوريا هي المركز التاريخي للعالم العربي. وإذا تفككت، ستسقط المنطقة كلها في فوضى الأقليات، وهذا بالضبط ما يريده أنصار "إسرائيل الكبرى". وإذا حدث ذلك فلن نعرف الاستقرار أبداً.
وجاء سؤال على الشكل التالي: هل تفتقدون ياسر عرفات اليوم؟
أجاب جنبلاط: كان صديقاً عظيماً وشخصية استثنائية. هناك كثيرون نفتقدهم اليوم.
وأضاف: نحن نعيش مرحلة جديدة تتسم بانهيار النظام الذي نشأ بعد سايكس – بيكو، ونهاية النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب الباردة. كما أنها تنهي أوهام السلام، وأوهام أوسلو وحل الدولتين.
وتابع: الآن هناك الحرب مع إيران. وإذا استمرت، فإنها ستدمر هذا العالم العربي الذي ظن يوماً أنه محمي بالقواعد العسكرية الأميركية".
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا