خطوات حتميّة لرأب الصدع اللبناني
الرئيسية مقالات / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
May 05 26|21:21PM :نشر بتاريخ
كتب مدير مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت رامي الريس في ليفانت تايم:
مع تعمّق خطاب الحقد والكراهيّة بين اللبنانيين، تتزاحم الأسئلة عمّا يمكن فعله حقاً لرأب الصدع السياسي والإعلامي الذي يتجذر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بمتناول الجميع وتتيح لكل مواطن أن يكتب رأيه (وهذا أمر جيد بالمبدأ) دون أن يمارس الحد الأدنى من الرقابة الذاتية، فترى تدافع العصبيات الطائفية والمذهبيّة على سجيتها بعيداً عن أي رادع أخلاقي أو سياسي.
ويعكس هذا الشرخ الاجتماعي الانقسام العامودي الذي تشهده البلاد وهو انقسام خطير يتصل بالخيارات الاستراتيجيّة الكبرى التي سوف تحدد هوية البلاد مستقبلاً ودورها الإقليمي، ويتناول عناوين محوريّة مثل: كيفية مواجهة إسرائيل واعتداءاتها المستمرة على لبنان وقضيّة حصر السلاح بيد الدولة تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي سلمت بموجبه جميع الميليشيات اللبنانيّة سلاحها في مطلع التسعينات باستثناء حزب الله تحت عنوان "المقاومة".
وإذا كانت ثمة مبررات قد أتيح توظيفها للاحتفاظ بالسلاح لتحرير الأرض (الأمر الذي تحقق عام 2000 بما يمكن وصفه بأنه إنجاز تاريخي هام عنوانه إنسحاب إسرائيل من أراض تحتلها دون قيد أو شرط)، فإن الأكيد أن وظيفة السلاح قد تمددت بعد إتمام التحرير لتخلق دويلة ضمن الدولة اللبنانيّة ولتعزيز مكانة الحزب السياسيّة إزاء الأطراف اللبنانيّة الأخرى مما أدّى إلى حدوث صدامات على شكل السابع من أيار/ مايو 2008 عندما انقض الحزب على العاصمة والجبل اعتراضاً على قرارين حكوميين يصبّان عمليّاً في مصلحة بناء الدولة.
المؤسف، لا بل المحزن، أن الطرف ذاته الذي يفاخر بتحقيق إنجاز التحرير التاريخي سنة 2000 هو الذي يتحمّل القسط الأكبر من المسؤوليّة السياسيّة والعسكريّة لإسقاط هذا الإنجاز من خلال حرب تموز/ يوليو 2006 إلى حربي الإسناد الأولى والثانية في 2024 و 2026 والتي تمكنّت إسرائيل من خلالهما لاعادة احتلال التلال الخمس في المرحلة الأولى ولأكثر من 55 قرية في المرحلة الثانية أطلقت عليها إسم "اللون الأصفر".
وإذا كان ليس خافياً على أحد طبيعة الارتباط العضوي للحزب بإيران (وهو الأمر الذي يفاخر ويجاهر به كما هو معلوم)، فإن الأمر الذي يحبط الكثير من اللبنانيين هو اندفاع الحزب للانتقام للمرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، والإعلان عن التضامن مع الجمهورية الإسلاميّة بينما لم يسبق لإيران أن حركت ساكناً إزاء جميع الحروب التي تعرّض لها لبنان خلال الأعوام الماضية. كما أنها لم تنتقم لاغتيال أحد أبرز رموز محورها، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.
بطبيعة الحال، كل هذه الاعتبارات لا تبرر لبعض اللبنانيين إشاحة النظر تماماً عن الاعتداءات الإسرائيليّة المتواصلة على لبنان وانتهاكها اليومي لسيادته، واستهدافها المدنيين كما حصل في الثامن من نيسان/ أبريل المنصرم، وأن حصيلة ضحايا هذه الاعتداءات في حرب 2026 وحدها تجاوز الـ 2600 ضحية. والبعض من هؤلاء يبدون على استعداد تام لتبرئة إسرائيل من جرائمها بما لا تطلبه هي لنفسها أساساً ويطالبون لتسريع خطوات التطبيع المجانيّة، لا بل يذهب قسم منهم لنفي مطامعها التاريخيّة بلبنان أقله حتى خط نهر الليطاني ورغبتها الدفينة بالتوسع نحوه وضم المنطقة الواقعة تحت نطاقه بما يعتبرونه حماية لمستوطنات الشمال والسكان فيها!
كما يتغاضى هؤلاء عن التطورات الخطيرة التي تلاحق بها إسرائيل اللبنانيين لناحية تفريغ مناطق في جبل الشيخ أو متاخمة له وهي محاذية لمنطقة تحتلها أيضاً في سوريا (حيث وسعت هناك احتلالها أيضاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024). ويريد هؤلاء الذهاب نحو اتفاقية سلام وتطبيع مع إسرائيل ويتوسلون في سبيل إقناع الرأي العام بصوابيّة هذه الخطوة استحضار مثال اتفاقي "كامب دايفيد" بين مصر وإسرائيل ووادي عربة بين الأردن وإسرائيل رغم الفوارق السياسيّة وغير السياسيّة الشاسعة بين هذه الحالات المقارنة.
بين الضغط الأميركي من جهة، والاعتداءات الإسرائيليّة من جهة ثانية، والاستغلال الإيراني للجبهة اللبنانية من جهة ثالثة، يقف لبنان على مفترق طرق في لحظة انقسام وطني حاد تنذر بعواقب وخيمة ما لم تُبتدع طريقة ما لحوار سياسي يضع الأمور الوطنيّة في نصابها الصحيح: حصر السلاح بيد الشرعيّة اللبنانيّة وحدها، وضع الأسس المتينة للتفاوض مع إسرائيل (وقف النار، الانسحاب العسكري، إعادة الإعمار…) على أن تكون كل هذه الخطوات تحت سقف الدولة وحدها.
لم يعد يحتمل لبنان تلزيم قراراته الوطنيّة، فهو ما عانى منه طوال العقود الماضية.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا