خاص إيكو وطن -الإخوة عسّاف: حين يتذكّر الحجر نفسه
الرئيسية ثقافة / Ecco Watan
الكاتب : فاروق غانم خداج
May 03 26|06:11AM :نشر بتاريخ
في الورهانية، لا يقف الجبل خلف الطبيعة، بل داخلها، كأنه جزء من ذاكرةٍ لم تُكتَب بعد. هناك، لا يكون الحجر مادة صامتة، بل حضورًا ينتظر من يحرّره من صمته الطويل. وفي هذا الفضاء الجبلي، ينهض اسم الإخوة عسّاف لا كحكاية تُروى، بل كتجربة تُلمَس: بالظل، بالكتلة، وبالإصغاء العميق لما لا يُقال.
الإخوة عسّاف أبناء حرفةٍ تحوّلت إلى رؤية. لم يرثوا الحجر بوصفه مادة بناء، بل بوصفه لغة تحتاج إلى من يتعلّم نطقها ببطء. في محترفهم في الورهانية، لا يدخل الزائر إلى ورشة، بل إلى زمن مختلف؛ زمنٍ يسمع فيه الإزميل وهو يلامس الصخر، كأن كل ضربة ليست قطعًا للمادة بل محاولة لإيقاظها.
ورثوا هذه الدقّة عن والدهم أحمد عسّاف، معلم الحجر الذي كان يعرف أن اليد لا تكفي وحدها، وأن على النحّات أن يُصغي قبل أن يغيّر. من هنا بدأ كل شيء: ثلاثة إخوة لم يتعاملوا مع المهنة كوراثة تقنية، بل كوراثة وعيٍ صامت بأن الحجر ليس ما نراه، بل ما نكشفه فيه.
في أعمالهم، الحجر لا يشبه نفسه فقط، بل يتذكّر نفسه. الوجوه المنحوتة ليست نسخًا عن الجسد البشري، بل محاولات لالتقاط ما يفلت من الصورة: صمت شاعر لا يُصوَّر، ثقل فكرة في ملامح مفكر، أو ذلك الحزن الهادئ في عيون من صنعوا تاريخًا ولم يطلبوا أن يُخلَّدوا. هنا، لا مكان للتزيين، بل للصدق حتى حدّ القسوة.
ومع ذلك، ما يجعل تجربتهم مختلفة ليس مهارتهم التقنية، بل تحويلهم المكان إلى متحف حيّ. المنحوتة ليست جسدًا معزولًا فوق قاعدة، بل جزءًا من مشهدٍ طبيعي يتنفس: شجرة توازي تمثالًا، ظلّ يلتقي بحجر، ومسارٌ يجعل الفن امتدادًا للأرض لا انفصالًا عنها. وكأن النحت هنا لا يستعيد الماضي ليمثّله، بل يعيد فتحه على الضوء، فيصبح الحضور امتدادًا للذاكرة لا نسخة عنها.
في هذا المتحف المفتوح، لا تُعرض الأعمال كقطع منفصلة، بل كجملة واحدة تمتد بين الحجر والطبيعة، وبين الذاكرة والمكان. كل تمثال هو نقطة في جغرافيا أوسع من الفن نفسه.
لكن خلف هذا الجمال الصلب، هناك عمل يوميّ يشبه الصبر أكثر مما يشبه المهارة. صوت الإزميل وهو يضرب الحجر ليس صوت عنف، بل إيقاع بطيء يشبه التنفّس. وفي بعض اللحظات، يمكن تمييز اختلاف النبرة بين حجرٍ وآخر، كأن المادة نفسها تمتلك مزاجًا خاصًا.
الحجر، قبل أن يُنحت، يبدو باردًا كأنه غير معنيّ بالعالم، ثم شيئًا فشيئًا يصبح أملس من الداخل، كأن الزمن نفسه أُعيد ترتيبه.
وهنا يبرز سؤال لا يُقال عادة: هل كان الحجر بحاجة إلى من يوقظه، أم أن النحّات هو الذي يحتاج إلى الحجر كي يفهم الصمت؟
في زمنٍ يزداد فيه الإسمنت عموديًا وزهوًا، يعود الإخوة عسّاف إلى الحجر أفقيًا وتواضعًا. لا كرفضٍ للعصر، بل كإصرار على أن الجمال لا يجب أن يركض كي يُرى. فكل ما هو عميق، يحتاج إلى بطء.
ما يميز تجربتهم أيضًا أنها ليست فردية تمامًا، بل أقرب إلى تناغم داخلي بين ثلاثة إخوة يعملون كأنهم يدٌ واحدة لها ثلاث زوايا نظر. لا تنافس بينهم، بل توزيع دقيق للإنصات نفسه. وهذا وحده يكفي ليحوّل العمل إلى حالة، لا إلى إنتاج.
في إحدى الزوايا، يمكن رؤية أدواتهم مغطاة بغبار الحجر الأبيض، كأن المكان نفسه يشارك في عملية النحت، لا كمشهد خلفي بل كطرفٍ في الفعل.
حين يغادر الزائر هذا المكان، لا يحمل معه صورة تمثال، بل إحساسًا بأن الحجر ليس جامدًا كما نظن، وأن ما نراه صلبًا قد يكون في داخله في حالة انتظار. هناك، في الورهانية، لا ينتهي الفن عند حدود الشكل، بل يبدأ حين نغادره.
وهكذا، بين الإزميل والصخر، بين الصمت واليد، يكتب الإخوة عسّاف سيرتهم دون أن يكتبوها. يتركونها في المكان، وفي الضوء، وفي ذلك الصمت الذي لا يُفهم إلا بعد أن نصغي إليه طويلًا.
*فاروق غانم خداج :باحث في الأدب والفكر الإنساني وكاتب لبناني
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا