"الجمهورية": لبنان بين هدنةٍ هشةٍ ومفاوضاتٍ مصيرية... فرصةٌ لتثبيت الدولة... ومنع الانزلاق إلى حربٍ أوسع
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Apr 20 26|07:05AM :نشر بتاريخ
يدخل لبنان مرحلة دقيقة تتأرجح بين تثبيت وقف إطلاق النار والانزلاق مجدّداً نحو التصعيد، في ظل هدنة موقتة من دون مؤشرات حاسمة حول شكل المرحلة التالية. إلّا أنّ المعطيات السياسية والميدانية المتقاطعة، توحي بأنّ البلاد تقف أمام فرصة جدّية، ربما تكون الأهم منذ سنوات، للانتقال من منطق إدارة الاشتباك إلى منطق إنهائه تدريجياً، عبر مسار تفاوضي برعاية أميركية مباشرة. وبين ضغط الميدان وحسابات السياسة، تتقدّم الدولة اللبنانية، عبر مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، نحو تثبيت موقعها كمرجعية وحيدة في القرار السيادي، مستفيدة من لحظة إقليمية ودولية نادرة، قد تتيح إعادة رسم قواعد اللعبة على الحدود الجنوبية.
الجنوب: هدوءٌ حذر تحت سقف الردع
ميدانياً، يسود الجنوب هدوء حذر، تخرقه بين الحين والآخر حوادث محدودة تعكس هشاشة التوازن القائم، لكنها في الوقت نفسه تبقى ضمن سقف مضبوط يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا الواقع لا يمكن فصله عن وجود إرادة دولية - وتحديداً أميركية - واضحة في منع توسع المواجهة، بالتوازي مع إدراك جميع الأطراف، أنّ كلفة الحرب المفتوحة باتت مرتفعة إلى حدّ غير قابل للتحمّل.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أنّ إسرائيل تسعى إلى تثبيت معادلة أمنية جديدة عبر توسيع نطاق الرقابة والضغط في الشريط الحدودي، فيما يحرص الجانب اللبناني الرسمي على رفض أي واقع يمسّ بالسيادة أو يكرّس مناطق عازلة دائمة خارج إطار الدولة.
الهدنة: تمديدٌ مرجّح وفرصةٌ قائمة
في المعطيات السياسية، يكشف مرجع ديبلوماسي بارز لـ«الجمهورية»، أنّ لبنان يتّجه بنسبة كبيرة نحو تمديد الهدنة، في ضوء الاتصالات المكثفة التي تقودها واشنطن مع مختلف الأطراف.
ويعتبر المرجع أنّ «الهدنة الحالية لم تعد مجرد وقف موقت للنار، بل تحوّلت إلى منصة تفاوضية فعلية يُبنى عليها»، مشيراً إلى أنّ «الظروف الإقليمية والدولية تدفع باتجاه منع الانفجار، وليس العكس». ويضيف المرجع، أنّ «المفاوضات القائمة تشكّل فرصة حقيقية لتجنّب الأسوأ، أي مزيد من القتل والتدمير، وفتح الباب تدريجياً أمام إنهاء حالة الحرب، ولو على مراحل». وبحسب تقديره، فإنّ «المسار لن يكون سريعاً أو سهلاً، لكنه بدأ فعلياً، وهذه هي النقطة الأكثر أهمية».
المفاوضات: من إدارة الأزمة إلى محاولة الحل
إلى ذلك، اكّد مصدر وزاري «أن تجري المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية واضحة، وبإدارة دقيقة تأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع اللبناني وتشابكاته الإقليمية. هذه المفاوضات، وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولية، إلّا أنّها تحمل مؤشرات إلى تحوّل نوعي في المقاربة، من مجرد احتواء التصعيد إلى البحث في ترتيبات أكثر استقراراً على المدى المتوسط».
وتؤكّد مصادر مطلعة، أنّ الجانب اللبناني يدخل هذه المفاوضات من منطلق سيادي واضح، يقوم على حماية الأرض والحقوق، ورفض أي تنازل يمسّ بالثوابت الوطنية، مع الانفتاح في الوقت نفسه على حلول واقعية تضمن الاستقرار وتعيد الاعتبار لدور الدولة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور رئاسة الجمهورية في إدارة هذا المسار، عبر تثبيت خطاب سياسي يوازن بين الواقعية والتمسك بالسيادة، ويؤكّد أنّ التفاوض ليس خيار ضعف، بل أداة لحماية لبنان ومنع تحويله مجدداً إلى ساحة مفتوحة.
سلام في بروكسل وباريس: الدعم السياسي للمسار اللبناني
في موازاة الحراك الداخلي، يتحرّك رئيس الحكومة نواف سلام على خطٍ خارجي فاعل، حيث يبدأ هذا الأسبوع جولة أوروبية تشمل بروكسل ثم باريس، في إطار مسعى واضح لتأمين مظلة سياسية ودعم عملي للمسار الذي تقوده الدولة اللبنانية.
في بروكسل، يركّز سلام على التواصل مع المسؤولين الأوروبيين لحشد الدعم الاقتصادي والمؤسساتي، وربط أي مساعدة إضافية بمسار الاستقرار الذي بدأ يتبلور في الجنوب.
أما في باريس، فيحمل اللقاء المرتقب مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دلالات خاصة، إذ يُنتظر أن يشكّل محطة أساسية لتنسيق المواقف مع أحد أبرز الداعمين الدوليين للبنان، خصوصاً في ظل الدور الفرنسي التقليدي في الملفات اللبنانية الحساسة. وتشير المعطيات إلى أنّ سلام سيعرض رؤية الحكومة للمرحلة المقبلة، القائمة على تثبيت الهدنة، دعم دور الجيش، والانخراط في مفاوضات تحمي السيادة وتمنع الانزلاق إلى الحرب.
وتندرج هذه الجولة ضمن استراتيجية أوسع لتأمين شبكة أمان سياسية ومالية للبنان، تعزز موقعه التفاوضي، وتمنح الدولة هامشاً أوسع للتحرك في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
«حزب الله»: مقاربة أكثر حذراً وواقعية
في المقابل، تبرز مواقف جديدة لـ«حزب الله» تعكس درجة من الحذر والواقعية في التعاطي مع المرحلة الحالية. فالحزب، وإن كان لا يزال يؤكّد ثوابته التقليدية، إلّا أنّه يُظهر انفتاحاً نسبياً على التهدئة، وحرصاً على عدم الانجرار إلى مواجهة واسعة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
وتشير قراءات سياسية إلى أنّ الحزب يدرك أنّ البيئة الاستراتيجية تغيّرت، وأنّ استمرار التصعيد قد يضعه أمام تحدّيات أكبر، سواء داخلياً أو خارجياً. لذلك، يبدو أنّه يتّجه نحو إدارة المرحلة بمرونة أكبر، مع إبقاء أوراق القوة بيده، من دون الذهاب إلى كسر قواعد الاشتباك القائمة حالياً.
هذا التحول النسبي لا يعني تغييراً جذرياً في الموقف، لكنه يعكس تكيّفاً مع واقع جديد يفرض نفسه على جميع الأطراف.
البُعد الإقليمي: مفاوضات أميركية – إيرانية ترسم الإطار
لا يمكن قراءة ما يجري في لبنان بمعزل عن المسار الأوسع للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تشهد بدورها حراكاً متجدداً، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين. هذه المفاوضات، التي تتناول ملفات متعددة من النووي إلى الأمن الإقليمي، تشكّل الإطار العام الذي تتحرك ضمنه الساحات المختلفة، ومنها لبنان.
وتفيد المعطيات، أنّ واشنطن تسعى إلى احتواء التوتر مع طهران ضمن قواعد جديدة، تقوم على إدارة الصراع بدل تفجيره، وهو ما ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، حيث يُراد تثبيت الاستقرار النسبي ومنع تحول الجنوب إلى نقطة اشتعال دائمة.
في المقابل، تبدو إيران منفتحة على هذا المسار، ولو بحذر، في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها، ما يفتح الباب أمام تفاهمات جزئية قد تنعكس تهدئة في أكثر من ساحة.
الاستحقاق المقبل: اختبار التحول من الهدنة إلى الاستقرار
ويرى مرجع سياسي، انّ المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه الذي سيسلكه لبنان. فتمديد الهدنة، إذا تحقق، لن يكون هدفاً بحدّ ذاته، بل خطوة انتقالية نحو مسار أوسع يفترض أن يؤدي إلى تثبيت الاستقرار بشكل تدريجي.
لكن هذا المسار يبقى محفوفاً بالتحدّيات، سواء على المستوى الداخلي، حيث لا يزال الانقسام قائماً، أو على المستوى الإقليمي، حيث يمكن لأي تطور مفاجئ أن يعيد خلط الأوراق.
ومع ذلك، فإنّ المؤشرات الحالية توحي بأنّ هناك فرصة حقيقية، ربما تكون الأولى منذ سنوات، للخروج من منطق الحرب المفتوحة، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها التفاوض المنضبط والاستقرار النسبي.
في الخلاصة، لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية بكل ما للكلمة من معنى.
الهدنة لم تعد مجرد توقف للنار، بل تحولت إلى بوابة سياسية يمكن أن تفتح طريقاً مختلفاً، إذا ما أُحسن استثمارها.
الدولة تستعيد دورها تدريجياً، والمفاوضات تتقدّم ببطء ولكن بثبات، والبيئة الإقليمية تميل إلى التهدئة لا التصعيد.
ويبقى الرهان الأساسي على قدرة لبنان على توحيد قراره، والاستفادة من هذه اللحظة لتثبيت سيادته، وحماية شعبه، ووضع حدّ لدورة العنف التي استنزفته طويلاً.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا