عودة: لنكن على مثال بطرس وبولس في التواضع والمحبة

الرئيسية سياسة / Ecco Watan

الكاتب : المحرر السياسي
Jun 28 26|13:11PM :نشر بتاريخ

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران إلياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "غداً في التاسع والعشرين من حزيران، تعيد كنيستنا المقدسة للرسولين هامتي الرسل بطرس وبولس، ولتأسيس كرسينا الأنطاكي المحروس بالله. كان هذان الرسولان مختلفين في أمور كثيرة. بولس كان متحدرا من عائلة رومانية رفيعة النسب، وكان ذا ثقافة عالية، بينما كان بطرس صيادا يهوديا متواضعا. إلا أن ما يجمع هذين الرسولين العظيمين هو اندفاعهما العظيم في سبيل البشارة، وغيرتهما على الكنيسة، وتحملهما العذابات والإضطهادات حتى الشهادة في سبيل إيمانهما. لبطرس وبولس مكانة خاصة في كنيستنا الأنطاكية لأنهما أسسا كنيستنا في هذه الأرض، ومنها انطلقا للتبشير في العالم، وفي أنطاكية دعي التلاميذ مسيحيين أولا (أع26:11). بطريرك أنطاكية هو خليفة هذين الرسولين العظيمين على كرسي أنطاكية.  وقد كان القديس إغناطيوس الأنطاكي ثاني أسقف على كرسيها يخلف هذين الرسولين اللذين كانا هامتي أنطاكية، وكلنا يعرف أن لكل جسد هامة واحدة. هذا يدعونا إلى التفكر مليا بهذا الأمر في وطننا، في هذا الزمن الذي تحكمه الأنانية والمصلحة الفردية وضيق الأفق رغم انفتاح العالم عبر الشبكة العنكبوتية. فقد جمع بطرس وبولس أمانتهما وحبهما للكنيسة ولبعضهما البعض، رغم تباعد الأفكار أحيانا، ورغم اختلاف الثقافات والمواقف. إنها دعوة لكي نكون على مثالهما في التواضع والمحبة والغيرة والإندفاع والبذل والتضحية، عل الخلافات السائدة تزول، والتباعد يضمحل، والكراهية تتبدد، فيسود العدل والسلام".

أضاف: "إذا تأملنا في نصي رسالة وإنجيل اليوم، نكتشف أنهما يوجهان إلينا دعوة واحدة، أن نثق بالمسيح ثقة كاملة، ونسمح لهذه الثقة بأن تغير حياتنا كلها، فننتقل من سلطان الخطيئة إلى سلطان النعمة، ومن الموت إلى الحياة. يخبرنا الإنجيل عن قائد مئة روماني دنا من الرب يسوع قائلا: « يا رب إن فتاي ملقى في البيت مخلعا يعذب بعذاب شديد». يلفتنا في هذا الرجل محبته وإيمانه. فهو في موقع سلطة، يستطيع التعامل مع خدمه بفوقية أو لامبالاة كما يفعل المتسلطون، لكنه أظهر رحمة ومحبة، طالبا من أجل الفتى وكأنه يطلب من أجل أفراد عائلته. إنها المحبة الحقيقية التي تجعل الإنسان يشعر بألم الآخر، وتحمله على البحث عن خلاصه وشفائه. أبدى الرب تعجبه من إيمان القائد ليعلم الآخرين كيف يؤمنون. فعندما قال السيد: «أنا آتي وأشفيه»، أجاب القائد: «يا سيد، لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ فتاي». لقد أدرك هذا القائد أن المسيح هو صاحب السلطان الإلهي، وعلم أن الخليقة كلها تخضع لأمره كما يطيع الجنود قائدهم. قال الرب: «لم أجد إيمانا بمقدار هذا ولا في إسرائيل»، كاشفا لنا قيمة الإيمان في حياة الإنسان. الله لا يبحث عن إنجازاتنا، ولا عن مكانتنا الإجتماعية، أو قدراتنا المادية، بل عن قلب يثق به ويسلم ذاته بين يديه. الإيمان ليس فكرة ذهنية مجردة، بل علاقة حية مع الله؛ أي الإيمان بأن الله حاضر في حياتي حتى عندما لا أراه، وأنه يعمل من أجل خلاصي حتى عندما تبدو الظروف معاكسة، وأن كلمته قادرة على صنع ما لا تستطيع كل قوى الأرض صنعه".

وتابع: "يلامس هذا الكلام الإنسان المعاصر بصورة خاصة. فنحن نعيش في عالم يزداد فيه الإعتماد على العلم والتكنولوجيا والقدرات المادية، وهي كلها عطايا صالحة من الله، لكن التقدم المادي وحده لا يشفي قلب الإنسان. كثيرون يملكون وسائل الراحة لكنهم يعيشون قلقا وخوفا وفراغا داخليا! يظنون أنهم يسيطرون على حياتهم ثم يجدون أنفسهم عاجزين أمام مرض أو خسارة أو أزمة مفاجئة! قائد المئة يعلمنا أن نرفع أنظارنا إلى المسيح قائلين: «قل كلمة فقط». هذه الكلمة التي أقامت الموتى وفتحت عيون العميان وشفت المرضى، لا تزال تعمل في حياة المؤمنين حتى اليوم. الإنجيل لا يتوقف عند الشفاء الجسدي، بل يقودنا إلى الشفاء الأعمق الذي تتحدث عنه الرسالة. الرسول بولس يذكر المؤمنين بأنهم، بعدما تحرروا من الخطيئة، صاروا عبيدا للبر. قد لا يفهم إنسان عصرنا هذه اللغة لأنه يربط الحرية بالإستقلال المطلق، لكن الرسول يكشف حقيقة روحية أساسية أنه لا يوجد إنسان يعيش بلا سيد. فإما أن يخضع لله، وإما للخطيئة أو حب السلطة أو المال وكل مغريات العالم. الخطيئة قد تشعر الإنسان بالحرية، لكنها تستعبده. قد يجد فيها السعادة لكن حياته فارغة. قد تمنحه القوة، لكنه يشعر بهشاشة حياته. لذلك، يتحدث الرسول عن الماضي الذي عاشه المؤمنون قبل معرفتهم بالمسيح، حين كانت أعضاؤهم مستسلمة للنجاسة والإثم. أما الآن، بعدما نالوا نعمة المعمودية واتحدوا بالمسيح، فهم مدعوون إلى تقديم ذواتهم لله كأدوات للبر والقداسة".

وقال: "الرسول بولس لا يقدم تعليما أخلاقيا مجردا، بل يصف تحولا جذريا في حياة الإنسان. فالمسيحي لا يكتفي بالتخلي عن بعض الخطايا، بل يدخل حياة جديدة بالكامل. ينتقل من مركزية الذات إلى مركزية الله، ومن عبادة الأهواء إلى عبادة الخالق، ومن السعي وراء اللذات العابرة إلى طلب الملكوت. لذا، يقول الرسول إن ثمرة هذه الحياة هي القداسة، أما نهايتها فهي الحياة الأبدية. ويختم بكلمات تختصر الإنجيل كله: «لأن أجرة الخطيئة موت، وموهبة الله حياة أبدية في المسيح يسوع ربنا». الموت يعني الإنفصال عن الله مصدر الحياة. أما الحياة الأبدية فهي الإشتراك منذ الآن في حياة المسيح القائم. لذلك، لا ينتظر المسيحي الحياة الأبدية في المستقبل، إنما يبدأ بتذوقها منذ الآن عندما يحيا في شركة مع الله".

أضاف: "تحتفل كنيستنا اليوم بتذكار القديسين كيروس ويوحنا الطبيبين الشافيين اللذين جسدا في حياتهما ما سمعناه في الإنجيل والرسالة. كان القديس كيروس طبيبا يعالج المرضى، لكنه أدرك أن الشفاء الحقيقي لا يقتصر على الجسد بل يشمل النفس أيضا. عندما التقى بالقديس يوحنا إشتركا معا في خدمة المؤمنين وتشجيعهم على الثبات في الإيمان. ولما اشتد الإضطهاد لم يخافا من تهديدات العالم، بل بقيا أمينين للمسيح حتى نالا إكليل الشهادة. عرفا بالعجائب والشفاءات التي أجراها الله بواسطتهما، لذلك دعتهما الكنيسة «الطبيبين الشافيين». نتعلم منهما الإيمان الذي تحلى به قائد المئة، والقداسة التي دعا إليها الرسول بولس. فقد وضعا مواهبهما وعلمهما في خدمة الله والإنسان، جاعلين حياتهما شهادة حية للمحبة الإلهية. في أيامنا، يزداد اهتمام الإنسان بصحة الجسد أكثر من النفس. يذكرنا القديسان بأن الإنسان يحتاج شفاء شاملا من الأنانية كما من المرض، ومن الحقد كما من الألم، ومن اليأس كما من الضعف الجسدي. هذا يتحقق عندما يلتقي الإنسان بالمسيح، الطبيب الحقيقي لنفوسنا وأجسادنا".

وتابع: "فلنقتد بإيمان قائد المئة، ولنصغ إلى دعوة الرسول بولس ولنترك كل عبودية للخطيئة ونحيا في حرية أبناء الله، ولنستلهم من القديسين كيروس ويوحنا روح الخدمة والرحمة والشهادة الأمينة، فنختبر بدورنا حضور المسيح في حياتنا".

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : ايكو وطن-eccowatan