مفاوضات "مثمرة" بين لبنان وإسرائيل.. وتفاؤل أميركي حذر!
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jun 25 26|07:15AM :نشر بتاريخ
بين واشنطن وبيروت، تتقدّم المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية وسط رهان دولي متزايد على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. فبعد أشهر من الحرب والتوترات الحدودية، انتقل البحث من العناوين السياسية العامة إلى التفاصيل التنفيذية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، فيما برزت للمرّة الأولى عقدة داخلية تتصل بمسألة حصرية السلاح ودور «المناطق النموذجية»، في اختبار قدرة الدولة على الإمساك بالأرض. وبينما ترفع بعبدا والسرايا وعين التينة شعار تعزيز مؤسسات الدولة، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الفرصة ستقود إلى تسوية مستدامة أم إلى جولة جديدة من التعثر.
المفاوضات تتقدّم
تتقدَّم المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن بخطوات بطيئة لكن ثابتة، وسط أجواء تصفها مصادر ديبلوماسية مطلعة مباشرةً على مسار التفاوض، بأنّها «الأكثر إيجابية منذ انطلاق هذا المسار»، خصوصاً بعد انتقال النقاش من المبادئ العامة إلى البحث العملي في خرائط الانسحاب الإسرائيلي وآليات انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي ستُخلى تباعاً.
ويؤكّد ديبلوماسي مطّلع على المحادثات لـ«الجمهورية»، أنّ المؤشرات الواردة من واشنطن ومن العواصم الراعية للمفاوضات، تدلّ إلى أنّ هناك فرصة جدّية للمرّة الأولى لربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة على الأرض، وهو ما يشكّل المدخل الوحيد لإنهاء الحرب بصورة مستدامة واستعادة الاستقرار في الجنوب.
وبحسب الديبلوماسي، فإنّ النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الانسحاب بحدّ ذاته، بل حول الآلية التنفيذية. وقد سجّل الجانب الإسرائيلي، للمرّة الأولى، استعداداً للقبول بانتشار الجيش اللبناني داخل مناطق لا تزال واقعة تحت الاحتلال تمهيداً للانسحاب منها، وهو تطوُّر تعتبره واشنطن والعواصم الأوروبية خطوة عملية يمكن البناء عليها للوصول إلى تفاهم أوسع.
المناطق النموذجية... نقطة الاختبار
ويكشف الديبلوماسي، أنّ العقدة الأساسية لم تعد إسرائيلية بقدر ما أصبحت داخلية لبنانية، وتتصل بما يُعرَف بـ«المناطق النموذجية» أو «التجريبية»، التي يُفترض أن تشكّل نموذجاً أولياً لتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني بشكل كامل.
ويضيف، أنّ معظم الوسطاء الدوليّين ينظرون إلى هذه المناطق باعتبارها اختباراً لجدّية الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها، خصوصاً أنّ المجتمع الدولي لا يطالب بخطوات شاملة وفورية، بل بمسار تدريجي يثبت أنّ قرار استعادة الدولة لسلطتها على كامل أراضيها أصبح قراراً فعلياً وليس مجرّد إعلان سياسي.
غير أنّ المشكلة، وفق المصادر نفسها، تكمن في رفض «حزب الله» أن تشمل أي منطقة تجريبية أراضي تقع شمال نهر الليطاني، وإصراره على حصر البحث بالمناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي جنوب الليطاني فقط.
لماذا يرفض الحزب؟
ويعتبر الديبلوماسي، أنّ هذا الموقف يكشف جوهر الخلاف الحقيقي، لأنّ أي منطقة نموذجية شمال الليطاني ستعني عملياً بدء اختبار ميداني لمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية خارج نطاق الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما قد يفتح الباب تدريجياً أمام استكمال هذا المسار على مساحة أوسع من الأراضي اللبنانية.
ويضيف، أنّ رفض الحزب لهذا الخيار يُضعف الموقف اللبناني التفاوضي بدلاً من تعزيزه، لأنّ المجتمع الدولي يربط اليوم بين الانسحاب الإسرائيلي وبين قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية بشكل تدريجي وفعلي.
ويتابع: «كلّما تأخّر إثبات قدرة الدولة على الإمساك بالأرض، ازدادت الحجج التي تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار وجودها في المنطقة الأمنية التي تحتلها، أو للمطالبة بضمانات إضافية قبل أي انسحاب».
كما يشير الديبلوماسي إلى أنّ «حزب الله» يتصلّب بمواقفه بفعل الضغط الإيراني لعدم تحويل لجنة الرقابة التي أسفرت المفاوضات الأميركية - الإيرانية في سويسرا عن إنشائها، إلى لجنة صورية تُصدِر بيانات فقط بلا أي جدوى تنفيذية، خصوصاً أنّها لا تضمّ الطرف الإسرائيلي الذي يشكّل النقطة المحورية في الحرب على لبنان.
الجيش اللبناني محور التسوية
وبحسب الديبلوماسي، فإنّ الرهان الأميركي والأوروبي والعربي بات واضحاً، ويتمثل في المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة.
ولهذا السبب يجري البحث بجدّية في إعادة إحياء مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني ضمن سلة أوسع تشمل دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً للبنان، بالتوازي مع برامج تدريب وتجهيز جديدة، تتناسب مع حجم المهام المنتظرة من المؤسسة العسكرية.
ويشير إلى أنّ واشنطن تنظر إلى الجيش اللبناني بوصفه حجر الأساس في أي ترتيبات مستقبلية، وهو ما عكسه موقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي أكّد استعداد الولايات المتحدة لمساعدة الدولة اللبنانية على بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها.
فرصة لا يريدها المجتمع الدولي أن تضيع
ويختم الديبلوماسي حديثه لـ«الجمهورية»، بالتأكيد أنّ المجتمع الدولي يعتبر المرحلة الحالية «فرصة ثانية» للبنان بعد سنوات من التعثر، وأنّ نجاحها مرتبط بقدرة الدولة على ترجمة التزاماتها إلى خطوات عملية على الأرض.
أمّا الرسالة التي تبلّغها المسؤولون اللبنانيون من العواصم المعنية، فهي أنّ الطريق إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل يمرّ عبر تعزيز دور الجيش اللبناني وحصرية السلاح بيد الدولة، لا عبر الإبقاء على واقع الازدواجية الأمنية الذي يمنح إسرائيل الذرائع للاستمرار في احتلال أجزاء من الجنوب ويؤخّر الوصول إلى تسوية دائمة ومستقرة.
بعبدا ترفع شعار الدولة
عكست اللقاءات التي شهدها قصر بعبدا سلسلة من الأولويات التي تعمل الرئاسة على إبرازها في هذه المرحلة، بدءاً من تثبيت الاستقرار الأمني في الجنوب، مروراً بدعم المؤسسة العسكرية وتعزيز مكافحة الفساد، وصولاً إلى حماية المرافق الحيوية وعلى رأسها قطاع الاتصالات. وتُظهر هذه الملفات أنّ رئاسة الجمهورية تسعى إلى تكريس صورة الدولة كمرجعية وحيدة لإدارة الشؤون الوطنية في مرحلة ما بعد الحرب.
في الشق الأمني، بحث رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى التطوُّرات الأمنية العامة، مع تركيز خاص على الوضع في الجنوب بعد إعلان وقف إطلاق النار. كما تناول اللقاء احتياجات المؤسسة العسكرية ومتطلّباتها، في مؤشر إلى استمرار الرهان الرسمي على الجيش باعتباره الركيزة الأساسية لحفظ الاستقرار وضمان تنفيذ التفاهمات الأمنية على الحدود الجنوبية.
ويأتي هذا النقاش في وقت تواجه فيه الدولة تحدّيات مرتبطة بإعادة تثبيت سلطتها الكاملة في المناطق الحدودية، وسط متابعة دولية دقيقة لمسار تنفيذ وقف الأعمال العدائية.
قضائياً، استقبل الرئيس عون المدّعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، حيث تمّ عرض عمل النيابات العامة، ولا سيما الملفات المتعلقة بمكافحة الفساد وحماية المال العام. وحمل اللقاء دلالات سياسية وإدارية تتجاوز الجانب القضائي، إذ يعكس تمسك الرئاسة بإبقاء ملفات الفساد ضمن دائرة الاهتمام الرسمي، بالتوازي مع مطالب داخلية وخارجية بإصلاح الإدارة وتعزيز الشفافية والمحاسبة.
وفي ملف الخدمات الأساسية، أشاد الرئيس عون بالجهود التقنية التي بذلتها فرق شركة «ألفا» لإصلاح الأعطال التي خلّفتها الحرب، ما ساهم في إعادة الاتصالات إلى عدد من القرى والبلدات الجنوبية. وركّز عون على أنّ قطاع الاتصالات يشكّل «عصب الاقتصاد»، مشدّداً على أهمية الإدارة السليمة للمرافق العامة واعتماد الشفافية في إدارتها. كما اعتبر أنّ القطاع لا يقتصر دوره على تقديم الخدمات للمواطنين، بل يمثل أيضاً مورداً مالياً أساسياً للخزينة العامة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها البلاد.
رسالة سياسية: لا حماية للبنان إلّا بالدولة
في مواقف حملت أبعاداً سياسية واضحة، شدّد رئيس الجمهورية على أنّ الثروة الحقيقية للبنان تكمن في العلم والثقافة والموارد البشرية، معتبراً أنّ اللبنانيّين بنوا سمعتهم العالمية من خلال الإبداع والمعرفة على رغم من الحروب والأزمات المتلاحقة.
إلّا أنّ الرسالة الأبرز تمثلت في تأكيده أنّ لبنان «وطن نهائي لجميع أبنائه»، وأنّ الدولة وحدها هي الضامن للوطن والهوية الوطنية. كما أعاد التشديد على أنّ استعادة ثقة اللبنانيّين والعالم بالدولة تشكّل المدخل الأساسي للنهوض الاقتصادي والسياسي، في موقف ينسجم مع الخطاب الرسمي الداعي إلى حصرية السلطة والسلاح والمؤسسات بيد الدولة.
بري وسلام أمام الوفد البريطاني
على خط العلاقات الخارجية، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري وفداً نيابياً بريطانياً برئاسة رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني إميلي ثورنبيري، حيث جرى عرض الأوضاع في لبنان والمنطقة والعلاقات الثنائية بين البلدَين.
وفي السرايا الحكومية، عقد رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعاً مماثلاً مع الوفد البريطاني، بحضور نائب رئيس الحكومة طارق متري والسفير البريطاني هاميش كاول. وأكّد أعضاء الوفد البريطاني تضامنهم مع لبنان ودعمهم لتثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى تأييدهم مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.
كما تناولت المحادثات سبل تعزيز الدعم البريطاني للجيش اللبناني، إلى جانب استعراض التعاون اللبناني - السوري ضمن إطار احترام سيادة البلدَين والمصالح المشتركة.
سلام و«اليونيفيل»
في ملف الجنوب أيضاً، استقبل رئيس الحكومة المنسق المقيم للأمم المتحدة عمران ريزا وقائد قوات «اليونيفيل» اللواء ديوداتو أباغنارا، حيث جرى البحث في مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة القوة الدولية. وأكّد سلام مجدّداً حاجة لبنان إلى استمرار وجود قوّة أممية في الجنوب، معتبراً أنّ دورها لا يزال ضرورياً على ثلاثة مستويات أساسية: المراقبة، رفع التقارير، والتنسيق والاتصال بين الأطراف المعنية. ويعكس هذا الموقف الرسمي تمسك بيروت بالمظلة الدولية في الجنوب، خصوصاً في ظل التعقيدات الأمنية المرتبطة بتنفيذ الترتيبات الجديدة بعد الحرب.
في المحصّلة، تجمع المواقف الصادرة من بعبدا وعين التينة والسرايا على عنوان واحد يتمثل في تعزيز دور الدولة ومؤسساتها. فمن دعم الجيش ومكافحة الفساد، إلى التمسك بـ«اليونيفيل» وحصرية السلاح، وصولاً إلى إدارة المفاوضات والملفات الاقتصادية، يبدو أنّ السلطة اللبنانية تحاول تقديم نفسها كشريك وحيد في إدارة المرحلة المقبلة، في وقت يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة المؤسسات على ترجمة هذه العناوين إلى خطوات عملية على الأرض.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا