الجمهورية: الجولة الخامسة: واشنطن تبحث مستقبل الجنوب... مفترق حاسم: الديبلوماسية أم عودة التصعيد؟
الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan
الكاتب : محرر الصفحة
Jun 22 26|06:50AM :نشر بتاريخ
فيما الأنظار منصبّة على سويسرا، حيث انطلقت المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ويتصدّرها تنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم الموقّعة بين الجانبَين ومن ضمنه إنهاء الحرب على كل الجبهات في المنطقة، ولاسيما منها لبنان، تتّجه هذه الأنظار إلى واشنطن غداً، حيث ستنعقد الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة برعاية وزارة الخارجية الأميركية، وسيتصدَّرها البحث في الانسحاب الإسرائيلي و»المناطق التجريبية»، في ضوء صمود وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه منذ مساء السبت نتيجة ضغط أميركي على إسرائيل.
فيما اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ مساء السبت، صامد بنسبة معيّنة، وبحذر شديد، يبدو أنّ الإسرائيليّين يتعمّدون البحث عن ثغرات استراتيجية يحاولون استغلالها لفرض شروطهم على لبنان، ما يوحي بأنّ الهدوء لم يستتب تماماً، وقد تكون أمامه تحدّيات، ما يضع الدولة اللبنانية أمام خيارات تفاوضية معقّدة غداً الثلاثاء. لذلك، تتّجه الأنظار إلى واشنطن، حيث تنطلق المفاوضات المباشرة والمكثفة وتمتد لثلاثة أيام بين الوفدَين اللبناني والإسرائيلي. وتدخل إسرائيل هذه الطاولة مستندةً إلى خريطة «المنطقة الأمنية» المتقدّمة، التي سبق أن نشرها المتحدّث باسم جيشها أفيخاي أدرعي بعمق أكثر من 10 كيلومترات وصل إلى شمال نهر الليطاني، وتحديداً إلى حدود مدينة النبطية. وفي أي حال، لم توقف إسرائيل ضغطها المستمر على تلال علي الطاهر، وتشير إلى أنّها تحاصر مقاتلي «حزب الله» في الأنفاق.
وفي الخلاصة، تقول مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، إنّ إسرائيل تحاول فرض معادلة على الديبلوماسية اللبنانية عنوانها: «نفّذوا قرار نزع سلاح «حزب الله» بشكل كامل وتفكيك بُنيته العسكرية، وأعطونا صكاً رسمياً لترتيبات أمنية جديدة، وعندها فقط نناقش جداول الانسحاب التدريجي إلى الحدود الدولية». ولذلك، يجد لبنان نفسه أمام مخاضٍ عسير. فالتهدئة الحالية هي على الأرجح وقف نار «تجريبي» مضبوط بالساعة السويسرية. فيما العودة إلى القتال وقضم مناطق جديدة تظل قائمة في أي لحظة. وسيكون شاقاً على الوفد اللبناني انتزاع جدول زمني سريع للانسحاب الشامل.
لبنان في قلب التفاهمات
تتّجه الأنظار إلى المسار التفاوضي المستجد بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتزايد المؤشرات إلى محاولة احتواء التصعيد الإقليمي وربط عدد من الملفات الساخنة، وفي مقدّمها الوضع اللبناني، بمسار تفاهم أوسع بين الطرفَين. وفي هذا السياق، تحدّث نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن تقدُّم في الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، مع إقراره بأنّ المشهد لا يزال معقّداً، وأنّ تطبيق أي تفاهمات ميدانية يواجه تحدّيات كبيرة.
وأكّد فانس، أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب تراهن على الديبلوماسية لإحداث تحوُّل طويل الأمد في الشرق الأوسط، معتبراً أنّ الحوار الجاري مع طهران يفتح نافذة جديدة لمعالجة ملفات تراكمت على مدى سنوات. وعلى رغم من حديثه عن تقدُّم ملحوظ خلال الأيام الأخيرة، فإنّ التصريحات الأميركية تعكس إدراكاً بأنّ التوصُّل إلى استقرار دائم لا يزال يحتاج إلى خطوات تنفيذية تتجاوز مجرّد التفاهمات السياسية.
بالتوازي مع المسار التفاوضي، رفعت الإدارة الأميركية مستوى ضغوطها السياسية على إيران وحلفائها في المنطقة. وكشف ترامب عن توجُّه لمنح دمشق دوراً أكبر في متابعة ملف «حزب الله»، في إشارة تعكس بحث واشنطن عن مقاربات جديدة للتعامل مع التوازنات الإقليمية، بعد سنوات من التعقيد الأمني والسياسي في لبنان.
كما وجّه ترامب رسالة مباشرة إلى طهران، مطالباً إياها باستخدام نفوذها لمنع أي تصعيد من جانب «حزب الله» داخل الساحة اللبنانية، معتبراً أنّ الاستقرار في لبنان بات جزءاً من الحسابات الإقليمية الأوسع المرتبطة بالمفاوضات الجارية. ويعكس هذا الموقف استمرار النظرة الأميركية إلى الحزب، بوصفه أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وأنّ أي تفاهم مستقبلي مع طهران سيبقى مرتبطاً بدور القوى الحليفة لها خارج الحدود الإيرانية.
تباينات أميركية - إسرائيلية
ولم يقتصر خطاب ترامب على إيران، بل تضمّن أيضاً انتقادات لإسرائيل على خلفية عملياتها العسكرية في لبنان، معتبراً أنّ الأداء العسكري الإسرائيلي يفاقم حجم الدمار ويعقّد فرص التهدئة. في المقابل، وجّه الرئيس الأميركي تحذيرات شديدة اللهجة إلى إيران بشأن مضيق هرمز، مؤكّداً أنّ أي محاولة لإغلاقه ستُقابل بردٍ قاسٍ، نظراً إلى الأهمّية الاستراتيجية للممر البحري بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي. وتعكس هذه التصريحات استمرار سياسة الجمع بين التفاوض والضغط، حيث تحاول واشنطن دفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية من دون التخلي عن أوراق الردع الاقتصادية والعسكرية.
مفاوضات سويسرا مستمرة
وعلى رغم من الأجواء الإيجابية التي تحدّث عنها مسؤولون أميركيّون، شهدت الجولة الأولى من المفاوضات في سويسرا مؤشرات توتر مبكر. فقد أعلنت وسائل إعلام إيرانية، أنّ الوفد الإيراني غادر جلسات الحوار احتجاجاً على تصريحات ترامب الأخيرة، معتبرةً أنّها لا تنسجم مع مناخ التفاوض، لكن سرعان ما تكذّبت الأنباء الإيرانية باستمرار اجتماعات المفاوضات في لوسيرن لأكثر من ساعتَين من موعد التهديدات الإيرانية عبر الإعلام.
وبحسب المعطيات المتداولة، ركّزت الجولة الأولى على الملف اللبناني بدلاً من الملف النووي، ما يعكس المكانة المتقدمة التي بات يحتلها الوضع في جنوب لبنان ضمن أولويات الحوار بين واشنطن وطهران. ويبدو أنّ وقف إطلاق النار وتثبيت الهدوء على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية أصبحا اختباراً أساسياً لجدّية أي تفاهم مستقبلي بين الجانبَين.
في المقابل، حاولت القيادة الإيرانية إظهار تمسكها بالمسار التفاوضي على رغم من التوتر. وأكّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أنّ مذكرة التفاهم مع واشنطن تحقق مصالح إيرانية، مشدّداً على أنّ بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي.
أمّا وزارة الخارجية الإيرانية، فربطت الانتقال إلى مرحلة الاتفاق النهائي بتنفيذ الالتزامات الميدانية، وعلى رأسها الوقف الكامل للعمليات العسكرية، بما يشمل الجبهة اللبنانية. ويعكس هذا الموقف محاولة إيرانية لاستغلال الانقسامات الداخلية اللبنانية، واستخدام الملف اللبناني كورقة ضغط تفاوضية لضمان التزامات أميركية وإسرائيلية، قبل تقديم تنازلات إضافية في الملفات الأخرى.
الجنوب بين التصعيد وانتشار الجيش
وفي وقت تستمر فيه المفاوضات، بقي الجنوب اللبناني عرضة للتطوُّرات الميدانية. فقد تفقّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل الوحدات العسكرية المنتشرة في عدد من مناطق النبطية، مؤكّداً أهمّية دور المؤسسة العسكرية في حماية المواطنين والحفاظ على الاستقرار. غير أنّ هذه الجولة تزامنت مع تصعيد جوي إسرائيلي تمثل في تنفيذ غارات بواسطة طائرات مسيّرة على محيط النبطية الفوقا وكفرتبنيت، ما يؤكّد أنّ الواقع الميداني لا يزال هشاً، وأنّ أي تقدُّم سياسي سيبقى عرضة للاهتزاز ما لم يُترجَم إلى ترتيبات أمنية فعلية على الأرض. وبين المسار التفاوضي والتوترات الميدانية، يبدو لبنان مرّة جديدة ساحة اختبار رئيسية لأي تفاهم إقليمي محتمل بين واشنطن وطهران.
إسرائيل تتمسك بشروطها
تكشف المواقف الإسرائيلية الصادرة في الساعات الأخيرة، أنّ تل أبيب لا تنظر إلى وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره نهاية للمواجهة، بل تعتبره إطاراً موقتاً لإدارة الصراع، بانتظار فرض ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الشمالية. وفي هذا السياق، تحدّث الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عن رغبته في الوصول إلى سلام مع لبنان وعلاقات طبيعية بين البلدَين، في محاولة لإظهار أنّ المشكلة الأساسية، من وجهة النظر الإسرائيلية، ترتبط باستمرار نفوذ «حزب الله» ودوره العسكري على الحدود.
أمّا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فكان أكثر وضوحاً، عندما أعلن أنّ القوات الإسرائيلية ستبقى في ما تسمّيه «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، طالما رأت أنّ ذلك ضروري لحماية المستوطنات الشمالية، ما يعني عملياً أنّ أي انسحاب إسرائيلي كامل لا يزال مرتبطاً بشروط أمنية وسياسية لم تنضج بعد.
وتشير التسريبات الإسرائيلية إلى أنّ تل أبيب تربط أي انسحاب من الأراضي اللبنانية بثلاثة شروط أساسية: انسحاب عناصر «حزب الله» إلى شمال نهر الليطاني، وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية في كل لبنان وليس في جنوب الليطاني فقط، ومنح إسرائيل حرية التحرُّك عسكرياً ضدّ أي تهديد تعتبره مستقبلياً.
وتعكس هذه الشروط جوهر المقاربة الإسرائيلية الحالية القائمة على منع عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب الأخيرة. فتل أبيب تعتبر أنّ استمرار وجود «حزب الله» مسلّحاً يشكّل تهديداً مباشراً، بينما يرى اللبنانيّون أنّ هذه المطالب تمنح إسرائيل حق التدخّل الدائم داخل الأراضي اللبنانية تحت ذريعة الأمن.
وفي هذا الإطار، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إمكانية تنفيذ «انسحابات محدودة» من بعض المواقع المتقدّمة داخل الجنوب اللبناني، ومنها منطقة الشقيف، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط الأميركية من دون التخلّي عن السيطرة العسكرية على المناطق التي تعتبرها إسرائيل حيوية لأمنها.
تقديرات حول إعادة بناء القدرات الميدانية
بالتوازي، تواصل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تبرير استمرار عملياتها بالحديث عن محاولات يقوم بها «حزب الله» لإعادة بناء شبكات الرصد وجمع المعلومات الاستخباراتية قرب الخط الأزرق. وتندرج هذه التقديرات ضمن السردية الإسرائيلية التي تؤكّد أنّ الحزب يسعى إلى استعادة جزء من قدراته الميدانية على رغم من الخسائر الكبيرة التي تعرّض لها خلال الأشهر الماضية. كما وصف رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير وقف إطلاق النار بأنّه «هش»، مؤكّداً أنّ الجيش لا يزال يواصل عملياته في الجنوب اللبناني. ويعكس هذا الموقف قناعة إسرائيلية بأنّ المواجهة لم تُحسم نهائياً، وأنّ أي تراجع في الضغط العسكري قد يسمح للحزب بإعادة تنظيم صفوفه واستعادة جزء من بنيته العملياتية.
«حزب الله» يهاجم الدولة
في المقابل، استمر الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم بخطابات المواجهة، ورفضاً لأي صيغة تسمح لإسرائيل بحرّية التحرُّك العسكري داخل لبنان. واعتبر أنّ أي وقف لإطلاق النار لا يترافق مع وقف كامل للعمليات الإسرائيلية وانسحاب القوات من الأراضي اللبنانية هو استمرار للحرب بأشكال مختلفة.
لكنّ اللافت في خطاب قاسم، كان إصراره على ربط مستقبل لبنان بالدور الإيراني في المنطقة، بعكس إرادة الدولة اللبنانية وباقي الأطراف في البلد. كما ذهب إلى حدّ الدعوة إلى الاستفادة من أوراق الضغط الإيرانية، بما فيها التهديد بإغلاق مضيق هرمز، ممّا يعكس استمرار محاولات الحزب للزجّ بلبنان في الصراعات الإقليمية، فاتحاً الباب أمام التدخّلات الخارجية في شؤونه اللبنانية، لا ضمن مقاربة سيادية لبنانية مستقلة.
وفي الوقت الذي تحدّث فيه عن «صمود المحور الإيراني وفشل محاولات إضعافه»، تجاهل الخطاب التداعيات الثقيلة التي خلّفتها المواجهات العسكرية على لبنان، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني، وهي كلفة يدفعها اللبنانيون منذ سنوات، نتيجة ربط الساحة اللبنانية بصراعات إقليمية تتجاوز حدود الدولة ومصالحها المباشرة.
والتصعيد لم يقتصر على إسرائيل، بل امتد إلى الداخل اللبناني أيضاً. فقد شنّ «حزب الله» هجوماً على المفاوضات التي تجريها الدولة اللبنانية مع الولايات المتحدة، محاولاً الاستمرار في أي جهود لتهدئة الجبهة الجنوبية وتأمين الانسحاب الإسرائيلي وفق شروط لا تستفيد منها طهران.
ويعكس هذا الموقف استمرار التباين العميق بين الحزب ومؤسسات الدولة حول كيفية إدارة الأزمة الحالية. ففي حين تراهن السلطات اللبنانية على المسار الديبلوماسي لتخفيف الضغوط الدولية وتأمين انسحاب إسرائيلي واحتواء التصعيد تأميناً لسيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، يواصل الحزب التشكيك في جدوى هذا النهج، مفضِّلاً الإبقاء على معادلة القوّة العسكرية في صالح إيران.
وبذلك، تبدو الساحة اللبنانية أمام صراع مزدوج: مواجهة مفتوحة مع إسرائيل حول مستقبل الجنوب والترتيبات الأمنية المقبلة، ومواجهة سياسية داخلية حول هوية القرار اللبناني وحدود دور الدولة في إدارة الملفات السيادية، بعيداً من الحسابات الإقليمية التي يصرّ «حزب الله» على ربط لبنان بها.
انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا