الأنباء: إيران تُلوّح بتعليق مفاوضات جنيف.. وإسرائيل تُشعل جبهة الجنوب

الرئيسية صاحبة الجلالة / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
Jun 19 26|06:46AM :نشر بتاريخ

في الوقت الذي يفترض أن يشكل التفاهم الأميركي ـ الإيراني نقطة تحول في مسار الأزمات المتراكمة في الشرق الأوسط، وأن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية، يبدو لبنان وكأنه يقف مجدداً عند تقاطع حساس بين فرص التسوية ومخاطر الانزلاق نحو مواجهات جديدة. 

المشهد الإقليمي يتحرك بسرعة نحو تثبيت تفاهمات جديدة بين القوى الكبرى، فيما لا تزال الجبهة اللبنانية تواجه تعقيدات ميدانية وسياسية تجعلها واحدة من أكثر ساحات المنطقة قابلية للاشتعال والتجاذب، وقد تجلّى ذلك في ساعات الفجر الأولى حيث كثّفت إسرائيل اعتداءاتها وأغارت على زبدين والريحان

والنبطية الفوقا وكفرتبنيت، واستهدفت بالقصف المدفعي: زبدين وكفررمان وكفرجوز وحبوش وكفرتبنيت والنبطية الفوقا والنبطية - حي الراهبات وعلي الطاهر، وقام جيش الاحتلال برمي قنابل مضيئة وتمشيط كفرتبنيت وعلي الطاهر. وفي هذا الوقت تحدث الاعلام العبري عن حدث أمني صعب في جنوب لبنان وإطلاق صواريخ نحو قوة إسرائيلية.

فعلى الرغم من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التزام بلاده العمل من أجل وقف شامل لإطلاق النار على مختلف الجبهات، ومن ضمنها الجبهة اللبنانية، ودخول مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية حيز التنفيذ وما رافقها من إجراءات عملية أبرزها رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية وبدء التحضير لجولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف، فإن إسرائيل لا تبدو مستعدة للتعامل مع لبنان من منطلق التسوية نفسها التي يجري العمل عليها في ملفات إقليمية أخرى.

المواقف الصادرة خلال الساعات الماضية عن مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين عكست بوضوح تمسك تل أبيب باستراتيجية الضغط الميداني وفرض الوقائع على الأرض. فالحديث عن ضرورة الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل الأراضي اللبنانية، والإصرار على البقاء في ما يسمى "المنطقة الأمنية" جنوب لبنان، والإعلان عن انتشار القوات الإسرائيلية لمسافة تصل إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، كلها مؤشرات تدل على أن المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يتجاوز اتفاق وقف إطلاق النار التقليدي.

وفي جوهر هذه المقاربة الإسرائيلية يكمن هدف واضح يتمثل في السعي إلى فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك العسكري داخل لبنان متى شاءت، تحت عنوان منع عودة التهديدات إلى حدودها الشمالية. إلا أن هذا التوجه يصطدم بموقف لبناني رسمي ثابت يعتبر أن أي استقرار حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الانتهاكات العسكرية بصورة نهائية وتمكين الدولة اللبنانية وجيشها من ممارسة كامل صلاحياتهما على الحدود الدولية المعترف بها.

ولعل اللافت في هذا السياق أن المواقف الأميركية الأخيرة حملت للمرة الأولى منذ فترة طويلة قدراً من التوازن في مقاربة الملف اللبناني. فتصريحات نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس لم تقتصر على مطالبة "حزب الله" بوقف الهجمات وإطلاق الصواريخ، بل تضمنت أيضاً انتقاداً واضحاً لأي تصعيد إسرائيلي مفرط في لبنان، والتأكيد أن نجاح التفاهمات الإقليمية يتطلب التزام جميع الأطراف بموجباتها. وهذه الإشارات تكتسب أهمية خاصة لأنها تعكس إدراكاً داخل الإدارة الأميركية بأن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية قد يؤدي إلى تقويض المناخ السياسي الذي تسعى واشنطن إلى بنائه بعد التفاهم مع طهران.

وتتقاطع هذه المواقف الأميركية مع تحذيرات أوروبية متزايدة من مخاطر استمرار التصعيد. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التحلي بالعقلانية والمسؤولية، مؤكداً أن أمن إسرائيل لا يمكن أن يتحقق من خلال السيطرة على أراضٍ مجاورة أو عبر إبقاء حالة التوتر مفتوحة إلى ما لا نهاية. كما أعاد التشديد على ضرورة دعم الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية، في موقف ينسجم مع الجهود الفرنسية المستمرة لإطلاق مؤتمري دعم الجيش اللبناني وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

أما إيرانياً، فقد كشفت مصادر أن طهران تدرس خيار المشاركة في مفاوضات سويسرا لأنّ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان مستمرة، فيما البند المرتبط بلبنان يأتي في طليعة مذكرة التفاهم. 

في المقابل، يستعد لبنان لخوض محطة تفاوضية دقيقة خلال الأيام المقبلة. فالاجتماع الذي عقد في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وحضور أعضاء الوفد اللبناني المفاوض يعكس حجم الرهانات المرتبطة بجولة المفاوضات اللبنانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية المرتقبة في واشنطن، والتي تشير مصادر مطلعة الى أنها ستشهد إعادة النظر في البيان الذي خرجت به الجلسة السابقة، حيث تسعى واشنطن الى إصادر اتفاق إطار لتنظيم مسار التفاوض وتأكيد الربط بين الانسحاب التدريجي من القرى المحتلة وسحب سلاح "حزب الله"، وقد جاءت التوجيهات الرئاسية واضحة لجهة التمسك بالثوابت اللبنانية المتمثلة في الوقف النهائي لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة، وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، وإعادة الأسرى اللبنانيين، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.

وتكمن أهمية هذه المفاوضات في أنها ستكون الأولى بعد التفاهم الأميركي ـ الإيراني، ما يجعلها اختباراً عملياً لقدرة واشنطن على ترجمة التفاهمات الإقليمية إلى وقائع سياسية وأمنية ملموسة في الساحات المتصلة بها، وفي مقدمها الساحة اللبنانية. فنجاح هذه المفاوضات سيعني انتقال المنطقة تدريجياً من مرحلة إدارة الحروب إلى مرحلة إدارة التسويات، أما فشلها فسيعيد فتح الباب أمام احتمالات التصعيد والتوتر.

من هنا، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الأحداث. فإما أن تنجح المفاوضات الجارية في إنتاج تفاهمات أكثر صلابة تضع حداً لحالة الاستنزاف المستمرة على الحدود الجنوبية وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، وإما أن يبقى لبنان عالقاً بين تفاهمات إقليمية كبرى لم تنضج بعد بالكامل، وحسابات إسرائيلية لا تزال تراهن على القوة العسكرية لفرض وقائع سياسية جديدة. وبين هذين الاحتمالين، يبقى الثابت الوحيد أن لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية ستحدد إلى حد بعيد شكل المرحلة المقبلة وموقعه في خارطة التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط.

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : جريدة الأنباء الالكترونية