الجزيرة : سرطان نتنياهو وحرب إيران.. هل أُديرت المواجهة بـ"نصف أهلية"؟

الرئيسية دوليات / Ecco Watan

الكاتب : محرر الصفحة
May 03 26|05:22AM :نشر بتاريخ

 

تقرير لبديعة الصوان - الجزيرة نت

"أنا بصحة جيدة" بهذه الكلمات، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتغريدة ليختزل إصابته بالسرطان في "بقعة صغيرة" عولجت بجلسات عابرة.

لكنْ خلف هذا "الاستعراض المطمئن"، بدأت خيوط الرواية الرسمية تتفكك في الإعلام العبري؛ فبينما كان نتنياهو يزعم أنه "يقرأ كتابا" بسلام أثناء العلاج، كانت إسرائيل تنزلق نحو مواجهة كبرى مع إيران، وكان هو يدير أخطر أزمة أمنية في تاريخه وهو تحت تأثير العلاج الإشعاعي، بعيدا عن رقابة الجمهور.

تأخير الإعلان عن المرض لنحو نصف عام بذريعة "حرمان إيران من المادة الدعائية"، لا يبدو في نظر المراقبين إلا غطاء لمناورة سياسية هدفها الحفاظ على الكرسي، فنحن لسنا أمام "إفصاح طبي"، بل أمام وثيقة سياسية مبهمة خلت من الأختام الرسمية والتواريخ الدقيقة، وافتقرت إلى الصدق الضروري لمن يقود حكومة في حالة حرب وجودية.

"الخداع الزمني"

بينما حاول نتنياهو في تغريدته تصوير الأمر كأنه "بقعة صغيرة" عولجت بهدوء، تكشف القراءة المتقاطعة للتقارير الطبية والجدول الزمني للأحداث عن جدول مغاير.

وبناء على تصريح أحد الأطباء الذين عالجوا سرطانه، البروفيسور آرون بوبوفتزر في 24 أبريل/نيسان بأن العلاج بدأ قبل "شهرين ونصف"، فإن القراءة المتقاطعة للجدول الزمني تشير إلى أن العلاج بدأ في 10 فبراير/شباط تقريبا، وهو الذي كان يطير فيه إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب لرسم مخططات الحرب ضد إيران.

بدأت المواجهة المباشرة مع طهران في 28 فبراير/شباط، وبحسب حديث خبراء لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، فإن بروتوكول العلاج الإشعاعي لمثل حالته يستمر لأسابيع ويؤدي حتما إلى "خمول وإرهاق وضعف شديد"، وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كان نتنياهو بكامل قواه الذهنية والجسدية وهو يتخذ قرارات مصيرية تتعلق بحياة الملايين، أم أن تأثيرات الإشعاع كانت ترافق قرارات الحرب؟

برر نتنياهو تأخره في الإعلان نصف عام بحجة "منع الدعاية الإيرانية"، لكنّ التدقيق في التواريخ يشير إلى أن التعتيم بدأ قبل الحرب بشهور، وإلى جانب ذلك، ظهرت تساؤلات حول الطريقة التي أبلغ بها الجمهور بمرضه، وحتى حول صحة التفاصيل الفعلية التي تم الكشف عنها.

وقد أثيرت تساؤلات على وجه الخصوص حول متى شُخِّصت إصابة نتنياهو لأول مرة، ومتى وكم من الوقت خضع للعلاج الإشعاعي الذي تلقاه لعلاج الورم.

 

"أهلية الحكم"

قدم التحليل الطبي ما يفيد بأن نتنياهو عاش أحد احتمالين أحلاهما مُرّ، فإما أنه كان يتعالج أثناء الحرب (الخيار الأطول)، أو أنه خضع لتخدير كامل (الخيار الأقصر) دون أن يخبر الجمهور أو يعين نائبا له، وهو ما قد يعدّ خرقا قانونيا ودستوريا خطيرا.

ولم يتوقف "الخداع" عند التاريخ، بل امتد إلى "نوع العلاج"، حيث وضع نتنياهو إسرائيل أمام معضلتين: فإما أنه كان يقود الحرب وهو يعاني "الخمول والضعف" الناتج عن أسابيع من الإشعاع، أو الخيار الثاني الذي يقول إنه خضع لتخدير عام سري، وهو ما يُعد خرقا صريحا للقانون الإسرائيلي الذي يلزم رئيس الوزراء بإبلاغ الحكومة عند فقدان الأهلية المؤقت.

وأوضح خبير لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، في تفاصيل لاحقة، أن العلاج الإشعاعي في حالة مماثلة لحالته كان سيستغرق عادة من أسبوع إلى أسبوعين على الأقل، وقد يصل إلى 6 أسابيع كحد أقصى، مما يؤكد أن نتنياهو كان يتلقى علاجا للسرطان قبل بدء الحرب بفترة وجيزة، أو حتى خلال فترة الحرب نفسها.

ويرى الخبير الإستراتيجي أيمن الروسان أن الشكوك تعززت حول أهلية نتنياهو للحكم بعد عريضة قانونية طالبت بتقرير طبي شامل يتضمن حالته النفسية وتفاصيل الأدوية التي يتناولها، محذرة من أن "القيادة المهتزة" تحت وطأة السرطان وجهاز تنظيم ضربات القلب قد تؤثر على القرار العسكري.

ويرى الروسان في حديثه للجزيرة نت أن هذا الوضع الصحي المتردي يمثل مؤشر ضعف في القيادة أمام الولايات المتحدة وإيران، مما يضع قدرته على إدارة أزمات الحرب الحالية محل تساؤل حقيقي، "خاصة مع استمرار الغموض حول مدى استمرارية بطارية جهاز قلبه وقدرته البدنية على مواكبة تصعيد عسكري محسوب".

"لغز الشفافية"

يوم الجمعة الموافق 24 أبريل/نيسان، كشف نتنياهو على وسائل التواصل الاجتماعي أنه شُخِّصت إصابته مؤخرا بورم خبيث في البروستاتا وأنه قد تم علاجه بنجاح، إلا أنه لم يذكر أي تواريخ تتعلق بتشخيص حالته، أو متى بدأ العلاج، أو متى انتهى، واكتفى بالقول ببساطة إنه خضع لعلاج موجه وادعى أنه كان ناجحا.

ومع ذلك اكتنفت الشكوك شكل الوثائق ومضمونها، إذ رافق منشور نتنياهو إصدار تقرير صحي سنوي ووثيقة إضافية حول تشخيص إصابته بالسرطان، وكلاهما مؤرخ في 20 أبريل/نيسان من هذا العام، ولكنّ الغريب في الأمر أن أيا من الوثيقتين لم تحمل شعار المستشفى أو أي إشارة إلى أنها بيانات طبية رسمية.

 

تضمن التقرير الصحي السنوي 5 نقاط مبهمة امتدت على نصف صفحة، ولم يحدد حتى السنة التي يغطيها، حيث وُصف بأنه تقرير عام 2026 رغم افتراض تغطيته لعام 2025.

أما الوثيقة الثانية المتعلقة بالسرطان، فتتألف من 7 جمل فقط ودون أي تواريخ للجدول الزمني لاكتشاف المرض وعلاجه، واكتفت بالإشارة إلى خضوعه لعملية في 29 ديسمبر/كانون الأول 2024 "كما كان معروفا بالفعل"، وفحص بالرنين المغناطيسي في تاريخ غير محدد لاحقا أظهر إصابته بالورم، وفقا لصحيفة تايمز أوف إسرائيل.

إلى جانب هاتين الوثيقتين، نشر البروفيسور آرون بوبوفتزر مقطع فيديو في 24 أبريل/نيسان أوضح فيه أن الورم كان "سرطان غدّيا في البروستاتا" يبلغ قياسه 0.9 سنتيمتر.

وفي ظل هذا الغموض، قال متحدث باسم مركز هداسا الطبي إن نشر تفاصيل السجلات الطبية يقع ضمن مسؤولية مكتب رئيس الوزراء، بينما تهرب البروفيسور بوبوفتزر من أسئلة الصحفيين وقال لمراسل صحيفة هآرتس: "لقد تخصصت في 3 مجالات طبية وكتبت 5000 مقال وأنا مشهور عالميا، لن أدمر مسيرتي المهنية بسبب شيء كهذا".

وردّا على قائمة من الأسئلة حول هذه القضية، ذكر المتحدث باسم المركز أن "مركز هداسا الطبي لم ينشر إلا الحقيقة على مر السنين".

وعلى ضوء هذه المعطيات، يرى المنتقدون أن نتنياهو ضرب بعرض الحائط قرار مجلس الوزراء الصادر عام 2007، والذي يلزم رئيس الوزراء بنشر تقرير صحي سنوي يكتبه رئيس فريقه الطبي.

ورغم عدم إصدار نتنياهو للتقارير الصحية السنوية لفترة طويلة، فإنه لم يُجبر على نشرها حتى الآن، وينص قرار مجلس الوزراء أيضا على أن نطاق التقرير يتم تحديده من قبل رئيس الفريق الطبي للرئيس

"تسييس المرض"

لم تكن الفجوة في المعلومات حول صحة رئيس الوزراء مجرد "إغفال حميد"، بل اعتبرها خبراء ومراقبون جزءا من إستراتيجية سياسية.

تشير الدكتورة تيهيلا شوارتز ألتشولر، الزميلة البارزة في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، إلى أن نتنياهو احترف لسنوات إخفاء تفاصيل صحته الشخصية، معيدة للأذهان حادثة منتصف يوليو/تموز 2023، حين خضع لعملية زرع جهاز تنظيم ضربات القلب بعد "سكتة قلبية عابرة"، وهي الحادثة التي شابتها تناقضات وأخطاء حول ما إذا كان قد أصيب في رأسه أثناء إغمائه.

تستشهد ألتشولر بما كشفه "قارئ شفاه" ترجم حديثا سريا بين نتنياهو ووزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت في الكنيست حيث وصف نتنياهو خطورة حالته قائلا: "إذا لم تصل إلى المستشفى في غضون دقائق، ستموت"، في إشارة إلى اللحظة التي بدأ فيها قلبه يتوقف لولا تدخل جهاز المراقبة، ورغم هذه الخطورة، استمر نهج التعتيم وصولا إلى الوثيقة الغامضة الأخيرة.

ويرى المحلل الإستراتيجي ضيف الله الدبوبي أن هذا الإعلان الغامض جاء نتيجة ضغوط ميدانية وسياسية خانقة، إذ لجأ نتنياهو للإفصاح المنقوص كمحاولة لـ"استجداء عطف" الشارع وترميم شعبيته المتآكلة أمام تحالف لبيد وبينيت قبيل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

ويؤكد الدبوبي للجزيرة نت أن الهروب إلى مربع "الاستعطاف الطبي" يهدف للتغطية على سلسلة الإخفاقات العسكرية في غزة ولبنان وإيران.

ويكمن الهدف السياسي أيضا وفقا لمحللين في تقديم نتنياهو نفسه للجمهور على أنه "القائد الذي لا يموت"، وأنه لا يمكن لأحد أن يحل محله.

وبحسب الخبير في الشأن الإسرائيلي خالد خليل، فإن نتنياهو لا يريد منح خصومه الانتخابيين أي نقطة ضعف، خاصة مع تزايد تأكيدات المعارضة بأنه تقدم في العمر وصحته لم تعد تسعفه.

وفي محاولة لكسر هذه الصورة -يقول خليل للجزيرة نت- يسعى نتنياهو لتسويق صورة مغايرة عبر فيديوهات تظهره وهو يتناول طعاما صحيا، مما يعكس "فنون التضليل" التي يجيدها.

ويشير خليل إلى مفارقة تثير انتقادات واسعة داخل الشارع الإسرائيلي، حيث يظهر نتنياهو وهو يرتاد النادي الرياضي بنشاط، بينما يتذرع دائما بـ"الأحداث الأمنية" للتهرب من المثول أمام المحكمة.

ويضيف أن هذا السلوك يمتد إلى سجله الطبي، فبينما ادعى نجاح عملية جراحية دقيقة في عام 2024، تكشف التقارير الحالية عكس ذلك، مما يؤكد أن نتنياهو يمارس التضليل لحسابات سياسية، وهو ما جعل الجمهور الإسرائيلي يدرك تماما أنه "مراوغ" يضع البقاء في السلطة فوق أي اعتبار آخر، وفق حديثه.

المصدر: الجزيرة + تايمز أوف إسرائيل

 

 

 

 

انضم إلى قناتنا على يوتيوب مجاناً اضغط هنا


المصدر : الجزيرة نت